هل يلجأ الرئيس التونسي إلى تأجيل الانتخابات

أفضل حل هو أن يعلن الرئيس سعيد تأجيل الانتخابات إلى الربيع القادم ويعطي فرصة لإعادة تقديم الترشحات مع أمل أن يغير القسط الأول من قرض صندوق النقد الوضع ولو قليلا ويجدد ثقة الناس.

الأمور لا تسير في الاتجاه الصحيح. لا شيء يوحي بأن ثمة انتخابات قادمة عدا جدل محدود بشأن الطعون التي قدمها البعض ممّن رفضت مطالب ترشحهم. كل الحديث متجه إلى اهتمامات ثانية، حتى اهتمام الرئيس قيس سعيد نفسه ليس مركزا على الانتخابات وكيفية إنجاحها. فهو لا يظهر إلا ليتحدث عن توظيف الأموال في شراء التزكيات أو عن محاولة اختراق من أناس يوهمون أنهم مستقلون وما هم بمستقلين.

يشعر من يتابع كلام الرئيس سعيد أنه غير مهتم بالانتخابات، وما يقدمه عنها هو الوجه السالب الذي يخيف التونسيين ويدفعهم إلى العزوف عن المشاركة خاصة موضوع المال السياسي وشراء التزكيات ولاحقا شراء الأصوات، وهي مقدمات تظهر أن أحد أسس تكوين البرلمان، الذي يفترض أنه معبّر عن الشعب وعن الفئات التي لا تمتلك المال وغير مسنودة من الأحزاب، هي نفسها أسس البرلمان السابق، وأن لا قيمة للبرلمان اللاحق كما البرلمان السابق.

وكأن الرئيس يقول للناس انتخبوا أو لا تنتخبوا، فالأمر سيان، ويحيلهم إلى القول الشهيرة في الكتاب الأخضر للعقيد الليبي الراحل معمر القذافي ‘التمثيل تدجيل”.

ونقل موقع رئاسة الجمهورية الاثنين عن أن الرئيس سعيد بعد لقائه بوزير الداخلية، أشار إلى “عدد من الممارسات التي يقوم بها البعض من توزيع للأموال استعدادا لانتخابات أعضاء مجلس نواب الشعب، وتخفّي عدد من المترشحين الذين يعلمهم المواطنون تحت عباءة الاستقلالية أو تحت مسميات لمغالطة الناخبين وهم إما مندسون أو انتهازيون”.

الانتخابات ستجرى في مناخ تسيطر عليه صعوبات اقتصادية كبيرة في البلاد في ظل ارتفاع جنوني للأسعار واختفاء مواد أساسية ضرورية من الأسواق، فيما تكتفي الحكومة بمجاراة الأزمة دون أيّ تدخل فعّال

قد يفهم غياب الحماس لدى الرئيس التونسي للبرلمان الجديد، والتقليل من شأنه مسبقا، قناعته بضرورة مركزة السلطة لدى شخص واحد هو رئيس الجمهورية، قائد الجيش والداخلية، وصاحب التشريع والمشرف المباشر على السلطة التنفيذية، وأن بقية من حوله هم مساعدون يلعبون دورا ثانويا بما في ذلك مؤسسة البرلمان.

لا يأخذ الاهتمام بالبرلمان في هذه المرحلة قيمته من مجرد إجراء الانتخابات وإعادة إحياء مؤسسة تم تجميدها ثم حلّها، فهذه صورة تخص الرئيس سعيد لوحده، وتساعد الذين يجدون، في غياب منافسين جديين، الصعود إلى المؤسسة التشريعية أمرا يسيرا.

الصورة من الخارج غير هذه، فالصورة تجمع تفاصيل ما يحيط بهذا البرلمان من عناصر الفشل وتستعد لتوسع حملتها لتقول إن توقعاتها كانت في محلّها، وأن لا قيمة لبرلمان يستثني الأحزاب ويمنعها من الترشح في قائمات، وأن فكرة الترشحات الفردية ليست سوى انتكاسة ستفتح الباب أمام عودة تقاليد قديمة كانت تهيمن على أيّ انتخابات، وهي استبدال الانتخابات على البرامج والأفكار وروابط الانتماء الحزبي، وهي معيار سياسي حديث، بمعايير قديمة مثل الاعتماد على العشيرة والقبيلة وضخ الأموال في الصعود إلى البرلمان.

لكن الصورة الأهم هي نظرة الخارج إلى هذه الانتخابات، وهي نظرة مهمة ومحددة، وخاصة نظرة المؤسسات المالية الدولية التي تستعد للموافقة على منح تونس قرضا على أقساط وتنتظر صعود البرلمان الجديد للمصادقة عليه. العالم قبل على مضض حل البرلمان الماضي ووجد في خطاب قيس سعيد عن مبررات حليه البعض من الوجاهة.

تريد دول غربية مهتمة بتونس، وخاصة منها الولايات المتحدة، أن ترى برلمانا جديدا يوحي بالتنوع والتنافس ونابعا من شعبية حقيقية تعبّر عنها نسب مشاركة عالية، وليس برلمان الحد الأدنى الذي يجب أن يتم انتخابه بأيّ طريقة كما يحصل، حيث توحي بذلك كل المؤشرات الحالية، وخاصة المعطيات التي قدمتها هيئة الانتخابات في نهاية موعد تقديم الترشيحات.

قبل شهر وبضعة أيام من الانتخابات، يفاجأ التونسيين بوجود سبع دوائر دون مرشحين، أي أن الانتخابات لن تجرى فيها بالمرة، وهنا يطرح السؤال بشأن مستقبلها هل سيفتح رئيس الجمهورية باب الترشح فيها مرة أخرى، ومتى خاصة أن الوقت يضغط على هيئة الانتخابات، أم سيتم اختيار هؤلاء النواب عبر التزكية من الرئيس سعيد، وهي سابقة بالنسبة إلى تونس، التي تعودت أن يكون البرلمان منتخبا بشكل مباشر دون تعيينات أو كوتا لمؤسسة رئاسة الجمهورية.

وهناك عشر دوائر انتخابية بمرشح وحيد، بمعنى أنهم صاروا نوابا من الآن سواء قاموا بحملة انتخابية أم لم يقوموا، وهذا يمس من مصداقية الانتخابات ومن فكرة التنافس وسط تساؤل عن معنى وجود نائب في البرلمان إذا جاءت نسبة المشاركة دون المأمول في دائرته. وفي هذه الدوائر من المنتظر أن تكون نسبة المشاركة متدنية في غياب التنافس الذي يجلب الناس إلى صناديق الاقتراع.

هناك عشر دوائر انتخابية بمرشح وحيد، بمعنى أنهم صاروا نوابا من الآن سواء قاموا بحملة انتخابية أم لم يقوموا، وهذا يمس من مصداقية الانتخابات

والحقيقة أن نسبة المشاركة قد تكون أدنى في مختلف الدوائر الانتخابية، وليس فقط في هذه الدوائر. ومن الواضح أن الناس ليسوا متحمسين لأيّ انتخابات جديدة طالما أنها لا تختلف عن سابقاتها. خلال السنوات العشر الماضية شارك الناس بحماس كبير في الانتخابات، لكن نتائجها على الأرض كانت غائبة، فلم تغير الانتخابات واقع الأزمة الاقتصادية، وعلى العكس فقدا زادتها تعقيدا.

والوضع الآن لا يختلف تماما عن السابق، فالانتخابات ستجرى في مناخ تسيطر عليه صعوبات اقتصادية كبيرة في البلاد في ظل ارتفاع جنوني للأسعار واختفاء مواد أساسية ضرورية من الأسواق، فيما تكتفي الحكومة بمجاراة الأزمة دون أيّ تدخل فعّال، وتضع كل أملها في الاتفاق مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض متواضع قد لا يقدر على تغيير الوضع ولو جزئيا.

ومن الأرقام المثيرة للتساؤل هو أن عدد المرشحات من النساء محدود: 122 قياسا بـ936 من الرجال، ما يعني أن حضور المرأة سيكون محدودا في البرلمان القادم وبنسبة قد لا تتجاوز العشرة في المئة. وهذا مؤشر سيء على أن المرحلة القادمة ستشهد تراجعا في أحد أهم الميادين، وهو التمكين للنساء الذي تقدمت فيه تونس خطوات لافتة قياسا بمحيطها الإقليمي.

وما يعطي هذا التراجع أهمية هو وجود مخاوف أشمل لدى الجمعيات المدافعة عن حقوق النساء بشأن تراجع مكاسب المرأة ككل في ظل رئيس محافظ لا يعطي أولوية لتمكين المرأة، ويطلق تصريحات أو إيحاءات أكثر محافظة مثل الموقف من الميراث، وتلميحاته الأخيرة بالنسبة إلى موضوع مهرجان قرطاج السينمائي وخروج الدورة الحالية عن المألوف بسبب “ما شابها من ممارسات حادت بها عن الأهداف التي أنشئت من أجلها”، وقد فهمت هذه الملاحظة على أنها مجاراة من رئيس الجمهورية للحملة في مواقع التواصل الاجتماعي على المهرجان بسبب ملابس المشاركات.

كل هذه العناصر تجعل من إجراء الانتخابات في هذه الظروف في غير صالح الرئيس سعيد، وأن الاستمرار فيها بكل نقائصها سيعني أنها ستتحول إلى عبء إضافي على الرجل بدل أن تفضي إلى برلمان متعدد وفعّال يعطي مبررا قويا لحل البرلمان الذي سبقه ويعيد الثقة إلى التونسيين في العملية الانتخابية. كما أن إجراء الانتخابات للحصول على برلمان ضعيف ومهزوز سيزيد من الاتهامات التي توجه إلى قيس سعيد بأنه يريد مؤسسات شكلية محيطة به ولا يريد مؤسسات قوية قد تنافسه على إدارة السلطة.

وبالنتيجة، فإن أفضل حل هو أن يعلن الرئيس سعيد عن تأجيل الانتخابات إلى الربيع القادم، ويعطي فرصة لإعادة تقديم الترشحات، مع أمل أن يغيّر القسط الأول من قرض صندوق النقد الوضع ولو قليلا ما يجدد الثقة لدى الناس في إمكانية التغيير. لكن الآن وفي ظل هذه الظروف، فإن البرلمان الجديد سيزيد من تعميق الأزمة بدل تخفيفها.

مختار الدبابي – كاتب وصحافي تونسي

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

الدين والدولة في المغارب

يخيّل إليّ أن النقاش الفكري والسياسي، الذي خيض في الدول المغاربية منذ فترات الاستقلالات الوطنية الأولى، عن علاقة الدولة الوطنية بالدين الإسلامي، لم ينبن على أي أساس ديمقراطي، بل هو بالأساس تحكّمي تمنطق بالشرعية التي فازت بها القوى السياسية والمسلحة التي كافحت من أجل الاستقلال ومن إملائها، في بعض الحالات، بالقوة التحكّمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
32 ⁄ 16 =