العلاقات الفرنسية – الجزائرية: عقدة التاريخ وحتمية المستقبل

العلاقة بين الجزائر وفرنسا لا زالت حبيسة مستعمِر لا يريد النزول من أعلى كبريائه ومستعمَر يأبى التخلص من عناده ولكل منهما حاجة في الذاكرة يعود إليها كلما أراد تصفية حساب عارض.

تبقى العلاقات الجزائرية – الفرنسية من النماذج النادرة في العلاقات الدولية المعاصرة، فلا هي مأزومة ولا هي طبيعية، والتذبذب سمتها الغالبة، فكلما اقتربت من التسوية عادت إلى مربع الصفر، وكلما انحدرت من مربع الصفر صعدت إلى التسوية، فلم يحدث أن تخلصت تلك العلاقات من أكوام الشكوك والريبة.

يحل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ضيفا على الجزائر لمدة ثلاثة أيام وسط تأويلات حول الأجندة الحقيقية للرجل ومخرجات الزيارة على علاقات البلدين، وفيما عمدت مصالح التشريفات والدبلوماسية في قصري المرادية والإليزيه إلى التكتم على تفاصيل الزيارة، بغية عدم التأثير عليها أو تلغيمها، لكن ذلك لم يبعد فرضية الشك الذي أعاق حتى ضبط أجندة الزيارة ومضمونها.

وكانت مدينة وهران ضمن برنامج الزيارة، لكن إعلان الحاخام اليهودي حاييم كورسيكا المرافق لماكرون عن عدم زيارة لمدينة وهران مسقط رأس والدته ومدفن والديه، واضطرار إيمانويل ماكرون وعبدالمجيد تبون إلى تناول مضمون الزيارة في الاتصال الهاتفي الذي جرى بينهما منذ أيام، يوحي بأن الزيارة يكتنفها غموض إن لم يكن ارتباكا يعكس طبيعة العلاقة الحساسة بين البلدين.

وقد يكون ذلك امتدادا لخصوصية تلك العلاقة، فهي لا زالت رهينة عدة تحديات أهمها عقدة التاريخ التي زرعت ألغامها في طريق البلدين إلى حاضر ومستقبل، يراعي المصالح المشتركة ويرسي دعائم الثقة، فرغم القواسم الاجتماعية والثقافية إلا أن الحكومات المتعاقبة في باريس والجزائر لم تهتدي إلى طريق الخروج من النفق الأزلي.

ورغم أن غالبية العلاقات المماثلة التي تربط المستعمِر بالمستعمَر قد سويت بما فيها تلك التي تربط فرنسا بألمانيا، إلا أن العلاقة بين الجزائر وفرنسا لا زالت حبيسة مستعمِر لا يريد النزول من أعلى كبريائه ومستعمَر يأبى التخلص من عناده، ولكل منهما حاجة في الذاكرة يعود إليها كلما أراد تصفية حساب عارض.

لعل أبرز عائق أمام تسوية العلاقات بين البلدين، هو استفراد النخب الرسمية بقرار الحسم، ولم تستطيع التيارات الشعبية بشد ناصيتها

في فرنسا دوائر نافذة لا زالت تحن إلى فردوس ضائع، وتأسف لخروج مذل على يد شعب لم تهزمه غطرسة استعمار شرس، وفي الجزائر نقمة تتوارثها الأجيال عن مستعمِر قديم يرفض الاعتراف بجرائمه، ورغم أن الطرفين يدركان أنه ليس بوسعهما إعادة التاريخ إلى الخلف، إلا أن المواجهة لم تنته بينهما في مختلف الأصعدة.

ولعل تركيز اليمين المتطرف في خطابه العدائي للأجانب في فرنسا، على الوجود الجزائري تحديدا وقبل الآخرين، أكبر دليل على العقدة التاريخية التي لا زالت تؤرق قطاعا من النخب السياسية، وحتى رفع الرايات الجزائرية في شوارع باريس من طرف شباب كرة القدم بات يزعج أمثال إيريك زمور ومارين لوبان، وتم الضغط لمنع ذلك بحكم القانون.

لكن في المقابل هناك من يرى أن العلاقات الرسمية والشعبية بين البلدين في حاجة إلى مختصين في علم الاجتماع وعلم النفس لتفكيك عقدها، فبغض النظر عن ولاء نخب جزائرية لفرنسا أكثر من ولائها للجزائر، فإن حالة الارتياح لدى المهاجرين الجزائريين لفرنسا لمّا يتعلق الأمر بالحقوق والخدمات والرفاهية، تقابلها نقمة عميقة على كل ما هو فرنسي.

لقد حاول الرئيسان الراحلان جاك شيراك وعبدالعزيز بوتفليقة إضفاء طابع جديد على علاقات بلديهما خلال العقدين الماضيين، لكنهما عجزا عن تفكيك مختلف الألغام المزروعة، ولذلك يرى البعض أنه إذا فشل شيراك وبوتفليقة في تطبيع علاقات فرنسا والجزائر، فإنه لا يوجد رئيسان آخران بإمكانهما تحقيق ذلك، في نظرة تشاؤمية حول تلك العلاقة.

ولعل أبرز عائق أمام تسوية العلاقات بين البلدين، هو استفراد النخب الرسمية بقرار الحسم، ولم تستطيع التيارات الشعبية بشد ناصيتها، فرغم وجود أكبر جالية جزائرية في العالم على الأراضي الفرنسية، ووجود نخب أهلية وأكاديمية فرنسية مستقلة لها رؤية تطبيعية مع الجزائر، إلا أنهما لم يتمكنا من التأثير أو توجيه المسار إلى تسوية مرضية للطرفين.

وبين الفينة والأخرى يأتي رئيس ويذهب آخر، ويتبادل المسؤولون الزيارات والمجاملات، ويسود الاعتقاد حينها أن العالم سيرى الجزائر وفرنسا في مسلك آخر، لكنه مجرد حادث عارض بإمكانه هدم كل ما بني، وإذا كان ماكرون قد اتهم منذ أشهر النظام الجزائري بالاتجار بالتاريخ، فإنه كاد يكون محقا لو أنه شمل النظام الفرنسي ذاته بذلك، فكلاهما يلجأ إلى خزانة الذاكرة عندما يكون في حاجة إلى إثارة التوتر.

لتبقى بذلك الأصوات الداعية إلى معالجة الرؤية التاريخية محليا وبعيدا عن المناكفة مع الفرنسيين لأنها عديمة الجدوى، فالاستعمار يبقى استعمارا وجرائم المستعمِر هي جرائمه سواء اعترف بها أم لا، والعزل بين الماضي وبين الحاضر والمستقبل هو مفتاح أيّ علاقة سوية بين الطرفين.

وبالنسبة إلى هؤلاء قلب الصفحة لا يعني تمزيقها، وإن ما فاقم التذبذب هو الالتباس بين المصالح وبين الماضي، وبين الولاءات الخفية والاتجار بالتاريخ، فالمواقف والمبادئ الثابتة لا تحتاج إلى مناورات، فهي إما أن تكون أو لا تكون، ولذلك فالعزل بين الماضي والحاضر والمستقبل هو مفتاح أيّ علاقة طبيعية بين الجزائر وفرنسا.

صابر بليدي – صحافي جزائري

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

تنهيدة.. ليبيا إلى أين المصير أو إلى أين المفر؟

الحرب الجارية الآن في غزة ليست كقبلها من الحروب العديدة الفلسطينية والعربية X الإسرائيلية، لا في منطلقها، ولا في جغرافيتهH، ولا في أطرافها (شعب X دولة)، ولا في اصطفافات دول المنطقة والعالم، ولا في تداعياتها القريبة، ولا في نتائجها الأبعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
4 + 5 =