هل سيكون للخلافات بين بايدن ونتنياهو تداعيات على مستقبل العلاقة بين بلديهما؟

هل يمكن أن تنعكس الخلافات بين جو بايدن وبنيامين نتنياهو سلباً على مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل أم أن هذه الخلافات هي داخل “الأسرة الواحدة”، ولن يكون لها تداعيات سلبية على هذه العلاقات؟

إن مشروعية هذا السؤال تنبع من تكاثر المقالات والتحليلات التي تنشر في إسرائيل، وتحذر من مخاطر تعمق الخلافات مع الإدارة الأميركية، والتي رأى فيها الصحافي يورام دوري “خطراً وجودياً على إسرائيل”، معتبراً، في مقال نشره في صحيفة “معاريف” في 16 تموز الفائت، أن المواجهة مع الإدارة الأميركية “ليست فقط حماقة وجهلاً بالشؤون الدولية، بل تشكل خطراً وجودياً”، وخصوصاً أن قوة إسرائيل تعتمد على عنصرين مهمين:

“النوعية البشرية المذهلة للمواطنين الإسرائيليين والحلف مع الولايات المتحدة”، وآخذاً على الحكومة الإسرائيلية محاولتها “المسّ” بهذه النوعية البشرية “من خلال جنونها في الدفع قدماً بالانقلاب القضائي الذي يقسّم الشعب ويثير أفكاراً مخيفة بشأن مغادرة أفضل أبنائنا البلد”، وآخذاً على بعض وزرائها ردودهم “الغاضبة” على الإدارة الأميركية التي “تهدد جوهر وجودنا كدولة مستقلة وذات سيادة في العالم العنيف الذي نعيش فيه”[1].

وفي 19 من الشهر نفسه، نُشرت وثيقة توصيات سياسية صادرة عن “معهد دراسات الأمن القومي” تتعلق بـ “الأزمة الآخذة في التعمّق في العلاقات الإسرائيليّة – الأميركية”، قدّر فيها معدّوها “أن الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل تتعمّق، ولا يبدو، حتّى بعد اللقاء بين الرئيس هرتسوغ والرئيس بايدن في البيت الأبيض، والمُحادثة الهاتفية بين الرئيس الأميركي ورئيس الحكومة نتنياهو في 17 تموز، أن الإدارة الأميركية في صدد إبداء ليونة في رسائلها بشأن قلقها العميق من سياسات حكومة إسرائيل في سياق الدفع قدماً بالتشريعات القانونية، وكذلك السياسات في الساحة الفلسطينية”.

وعلى الرغم من إشارتهم إلى أن إسرائيل تستطيع “الصمود حتّى لو تم تقليص الدعم الأميركي لها، ويمكنها البقاء”، فإن معدّي هذه الوثيقة قدّروا أن هذا “سيؤثّر، بصورة كبيرة، في قوّتها الأمنية، ورفاهها الاقتصادي، وجودة حياة مواطنيها”، معتبرين أنه “من دون قيم مشتركة مع الولايات المتحدة، لا توجد مصالح مشتركة ولا علاقات خاصة”. ثم توقفوا عند بعض التغييرات الداخلية في الولايات المتحدة، والتي قد لا تصب في مصلحة تعزيز التحالف بين البلدين في المستقبل، ومن ضمنها أن أغلبية ناخبي الحزب الديمقراطي الأميركي يدعمون، بحسب استطلاعات الرأي، الفلسطينيين الآن، وهي مواقف تتطابق مع تصريحات مسؤولين ديمقراطيين منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة سنة 2020، إذ “كانت هُناك مطالبات بربط المساعدات الأميركية العسكرية لإسرائيل بسياسات إسرائيل في الضفة [الغربية]”، كما أن الولايات المتحدة “تصبح أقل تديُّناً، بينما إسرائيل تصبح أكثر تديُّناً”، إذ “هُناك ارتفاع مستمر في أعداد الجمهور الذي يعرّف ذاته بأنه ملحد”، فضلاً عن ظاهرة ابتعاد يهود الولايات المتحدة عن إسرائيل، وذلك بسبب سياسة “إقصاء تيّارات غير أرثوذكسية”، ورفض “الاعتراف بالتيّارات الإصلاحية والمحافِظة، التي تشكّل جزءاً كبيراً من يهود الولايات المتحدة”.

ويوصي معدّو الوثيقة أخيراً الحكومة الإسرائيلية، بغية تخفيف حدة التوتر في العلاقات مع الولايات المتحدة، “بأن توقف مسار التشريع الأحادي الجانب وأن تعمل على الوصول إلى اتفاق وطني واسع”، وأن تمتنع “من خطوات أحادية الجانب تخرق الوضع القائم ميدانيا” في الضفة الغربية وتتخذ “مبادرة فاعلة إسرائيلية في الساحة الفلسطينية”، ذلك إن الاستمرار في السياسات الحالية “سيؤدي بالأميركيين في نهاية المطاف إلى الاعتراف بحل الدولة الواحدة، حتّى لو لم يحدث هذا في الأعوام القريبة”[2].

في الآونة الأخيرة، صار المحللون الإسرائيليون يحذرون من خطر أن تؤدي “صفقة تبادل الأسرى الإيرانية – الأميركية”، إلى زيادة عزلة إسرائيل عن الولايات المتحدة، وخصوصاً إذا كانت تلك الصفقة جزءاً “من تفاهمات أوسع تحققت في عُمان، وهي تطبَّق اليوم على الأرض”، تقضي بأن تطلق إيران سراح أميركيين اعتقلوا في إيران، في مقابل إطلاق سراح إيرانيين اعتقلوا في الولايات المتحدة، والإفراج عن ستة مليارات من الدولارات وتحويلها إلى قطر لتستخدمها إيران لأهداف إنسانية، وذلك في مقابل أن توقف إيران “تخصيب اليورانيوم على درجة 60%”، وتمنع “الميلشيات التي تدعمها في سوريا والعراق من مهاجمة الجنود الأميركيين”، إذ أشار عاموس يادلين، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، إلى أن جو بايدن “لا يريد التصعيد ضد إيران، وهو جاهز لتقديم التنازلات من أجل تركيز جهوده على الصين وروسيا، وهذا بحد ذاته رسالة معاكسة لخيار تهديد عسكري موثوق به، كانت إسرائيل تريد من الولايات المتحدة طرحه”، داعياً الحكومة الإسرائيلية إلى “أن تتكيّف مع الواقع الجديد”، وأن تسعى “لتفاهمات بين إسرائيل والولايات المتحدة في مقابل التفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران”[3].

خلافات حقيقية بين بايدن ونتنياهو

على الرغم من أن العلاقة بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي تعود إلى عقود ماضية، عندما كان جو بايدن عضواً شاباً في مجلس الشيوخ الأميركي، وكان بنيامين نتنياهو نائباً لرئيس البعثة في السفارة الإسرائيلية في واشنطن، فإن التوتر بينهما ليس جديداً، بل برز حينما كان جو بايدن نائباً للرئيس الأميركي باراك أوباما الذي كان يستعد لإقرار الاتفاق النووي مع إيران في سنة 2015، فقام بنيامين نتنياهو الذي كان آنذاك رئيساً للوزراء في إسرائيل، بتجاوز البيت الأبيض وتوجّه إلى الكونغرس مباشرة بخطاب للتعبير عن استيائه من إبرام ذلك الاتفاق، لكنه أخفق في حشد دعم عدد كافٍ من النواب الأميركيين لعرقلته ودفع عدداً من نواب الحزب الديمقراطي إلى الزعم بأن ذلك الخطاب أضر بصورة كبيرة بعلاقات إسرائيل مع الديمقراطيين[4].

في أواخر سنة 2022، تصاعد هذا التوتر بين الرجلين عقب انزعاج الإدارة الأميركية من عزم بنيامين نتنياهو على إقامة ائتلاف حكومي مع حزبَي الصهيونية الدينية من أنصار الكهانية، وقيامه بالفعل بضم ممثلين عنهما إلى حكومته. ولم تمضِ سوى أيام قليلة على ولاية هذه الحكومة حتى أثار وزير “الأمن القومي” فيها أيتمار بن غفير غضب الدبلوماسيين الأمريكيين من خلال قيامه بزيارة استفزازية إلى الحرم القدسي. ثم بلغ هذا التوتر أشده، وصار الخلاف علنياً بين الرجلين، في خضم الأزمة السياسية التي صارت تشهدها إسرائيل بسبب الإصلاح القضائي المتنازع عليه.

ومع أنه نادراً ما تدخل رئيس أميركي علناً في الشؤون الداخلية لإسرائيل، فإن الرئيس جو بايدن أعرب صراحة عن معارضته إقدام حكومة بنيامين نتنياهو على إنجاز “الإصلاح القضائي” في ظل معارضة قسم كبير من الإسرائيليين ومن أحزابهم السياسية لهذا الإصلاح. ففي 24 تموز/يوليو الفائت، وصف البيت الأبيض بأنه “مؤسف” إقرار الكنيست، بأغلبية ضئيلة، قانون “المعقولية”، الذي من المفترض أن يحد من صلاحيات المحكمة العليا وقضاتها. وبطريقة غير معتادة للغاية، ذهب الرئيس الأمريكي إلى حد إحضار كاتب عمود في صحيفة “نيويورك تايمز”، هو توماس فريدمان، إلى البيت الأبيض لإرسال رسالة مفادها أنه يعارض هذا الإصلاح.

ومن ناحية أخرى، لا تخفي الإدارة الأميركية إحباطها من استمرار الاستيطان الإسرائيلي وتوسعه في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما أشار إليه الرئيس الأميركي في مقابلة أجرتها معه، في العاشر من شهر تموز نفسه، شبكة “ٍسي إن إن”، ووصف فيها ائتلاف بنيامين نتنياهو الحكومي بأنه “يضم الأعضاء الأكثر تطرفاً منذ عهد غولدا مائير”، مضيفاً أن هؤلاء الوزراء الذي يدعمون الاستيطان على أي ارض في الضفة الغربية هم جزء من المشكلة في الصراع مع الفلسطينيين”. وقال الرئيس الديمقراطي: “أنا أحد أولئك الذين يعتقدون أن أمن إسرائيل النهائي يكمن في حل الدولتين”، موضحاً أنه “لم يتطرق أي من أعضاء الحكومة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة لدعم هذا المبدأ”، بل تمّ على الأرض “ضمّ أجزاء كبيرة من الضفة الغربية دون منح حقوق متساوية للفلسطينيين بتلك المناطق”[5].

في دليل على هذا التوتر، لم تتم دعوة بنيامين نتنياهو إلى البيت الأبيض منذ عودته إلى السلطة في أواخر سنة 2022، علماً أنه جرت العادة بأن يستقبل الرئيس الأميركي رئيس الوزراء الإسرائيلي في البيت الأبيض بعد فترة قصيرة من نيل حكومته الثقة في الكنيست. في المقابل، استقبل البيت الأبيض، في 18 تموز نفسه، الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، في زيارة رسمية هي الثانية له خلال تسعة أشهر، ورتّب له أن يلقي كلمة في جلسة مشتركة للكونجرس، “تكريما للذكرى الخامسة والسبعين لقيام دولة إسرائيل”، وأن يلتقي مع نائب رئيس الولايات المتحدة، كامالا هاريس، ومع وزير الخارجية أنطوني بلينكن ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان[6].

وكان جو بايدن قد اتصل هاتفياً ببنيامين نتنياهو، عشية زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى واشنطن، ودعاه إلى لقاء في الولايات المتحدة في وقت لاحق خلال هذا العام، يرجّح أن يكون خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في شهر أيلول القادم. وذكر جون كيربي الناطق بلسان مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، رداً على أسئلة الصحافيين، أن بايدن “شدد مرة أُخرى على التوصل إلى اتفاقات واسعة النطاق بشأن التشريعات القضائية”، وأن “القيم الديمقراطية المشتركة يجب أن تبقى دائماً سمة تميز العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل.” وأضاف أن بايدن قال لنتنياهو: “من الضروري المحافظة على بقاء حل الدولتين”، وأن الاثنين تحدثا عن “الاستمرار في بذل الجهود لتهدئة واستقرار الوضع في الضفة الغربية”، واتفقا على “مركزية” التعاون بين الدولتين في جهودهما لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي[7].

نتنياهو يقلل من أهمية خلافاته مع بايدن

منذ بروز خلافاته مع الرئيس الأميركي إلى العلن، حاول بنيامين نتنياهو التقليل من أهمية هذه الخلافات. فبعد أن طلب الرئيس جو بايدن في 28 آذار/ مارس 2023 منه التخلي عن مشروع إصلاح القضاء المثير للجدل، صرّح نتنياهو في بيان أن إسرائيل “دولة ذات سيادة تتخذ قراراتها بناء على إرادة شعبها وليس بضغط من الخارج بما في ذلك أفضل الأصدقاء”، مشدّداً على أن التحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة “لا يتزعزع وسيتغلب دائمًا على الخلاف العرضي”[8].

وأوضح مكتب نتنياهو في بيان “أنه ليس سراً أن لدينا خلافات مع الأميركيين فيما يتعلق بإقامة دولة فلسطينية وبشأن الطاقة النووية الإيرانية، لكن العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة نمت بقوة على مر السنين”. ثم صرّح نتنياهو نفسه في الثاني عشر من حزيران الماضي أنه تحادث هاتفياً مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الذي كان في طريق عودته من الزيارة الرسمية التي قام بها إلى المملكة العربية السعودية، وناقش معه “بالتفصيل عدداً من القضايا، في مقدمتها إيران”، وأعرب عن تقديره لـ “التعاون الاستخباراتي والعسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة”، مؤكداً “أن التعاون اليوم [بين البلدين] هو في أعلى مستوياته على الإطلاق”، ومشدّداً على موقف إسرائيل الثابت، “بأن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران لن توقف البرنامج النووي الإيراني، وستسمح فقط لإيران بتوريد أموال إلى المنظمات “الإرهابية” التي تعمل تحت رعايتها في منطقة الشرق الأوسط، وحول حدود إسرائيل”[9].

تحالف راسخ وخلافات عرضية

على الرغم من هذه الخلافات بين بايدن ونتنياهو، ومن مطالبات الجناح اليساري للحزب الديمقراطي بخفض المساعدات العسكرية لإسرائيل، فإن التحالف الأميركي الإسرائيلي سيظل راسخاً، ولن يضعف الدعم، المتعدد الأوجه، الذي تقدمه الولايات المتحدة لإسرائيل، وخصوصاً أن جو بايدن معروف بتعاطفه الكبير مع الصهيونية ومشروعها، وهو القائل في أكثر من مناسبة “أنا صهيوني، وليس عليك أن تكون يهودياً لكي تكون صهيونياً”، وإن إسرائيل “تعتبر ضرورية لأمن اليهود حول العالم”.

ومن الجدير ذكره أن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ، التي شغل جو بايدن منصب نائب الرئيس فيها، والتي كانت على خلاف كبير مع بنيامين نتنياهو حول الملف النووي الإيراني، كما تقدم، هي نفسها التي توصلت، في مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر 2016، إلى مذكرة تفاهم مع حكومته تقضي بتقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات. وتعمل إدارة بايدن حالياً على الانتهاء، في الأشهر المقبلة، من مبادرتين رئيسيتين يرغب فيهما نتنياهو بشدة: إحداهما تهدف إلى دمج إسرائيل في برنامج الإعفاء من التأشيرة، والأخرى للتفاوض على اتفاقية تطبيع بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية. وخلال الأسبوع الأول من شهر آب/أغسطس الجاري، ترأس زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب الأميركي النائب عن نيويورك حكيم جيفريز وفداً ممولًا من منظمة إيباك مؤلفًا من 25 ديموقراطياً إلى إسرائيل، وصرّح خلال مرافقته نتنياهو للمراسلين الإسرائيليين أنه “يأخذ [رئيس الوزراء] على محمل الجد”[10].

وهكذا، وبالعودة إلى السؤال المطروح في مقدمة هذا المقال، يبدو أن هذه الخلافات بين بايدن ونتنياهو ستظل محصورة ضمن “الأسرة الواحدة”، ولن يكون لها تداعيات سلبية على العلاقات التحالفية الراسخة بين البلدين.

ماهر الشريف

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

الرد والرد المضاد.. كيف تلعب إيران وإسرائيل بأعصاب العالم؟

حبس العالم أنفاسه بعدما أصبح الشرق الأوسط قاب قوسين مما يشبه حربا عالمية ثالثة، قد دفع بالمنطقة لمستقبل غامض. غير أن هجوم الجمهورية الإسلامية ورد الدولة العبرية ظلا لحد الآن في حدود "المتوقع" وفق معلقين ألمان وأوروبيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
29 × 24 =