عندما تزعج السعودية إدارة بايدن في توقيتٍ حرج

يبدو الرئيس الأميركي، جو بايدن، في موقفٍ صعب قبيل الانتخابات النصفية الأميركية، بعد قرار مجموعة “أوبك+” في الخامس من شهر أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، تخفيض إنتاج النفط بمقدار 2%، أي ما يعادل مليوني برميل من أصل مائة برميل يومياً.

صوّتت السعودية، أكبر منتج للنفط في “أوبك”، لمصلحتها، ولمصلحة روسيا أيضاً، وبالضد من المصالح الغربية؛ في وقت يسابق فيه بايدن الزمن لمواجهة التضخّم، وارتفاع أسعار الوقود، ما يقلّل فرص الحزب الديمقراطي بالحصول على أغلبية في الكونغرس، وربما مجلس الشيوخ أيضاً، ويُمضي فترة ولايته رئيساً بدون فاعلية بسبب وجود أغلبية تشريعية معارضة له، تبطل قراراته، وهو ما يسمّى في السياسة الأميركية “البطّة العرجاء”.

اتهمت الإدارة الأميركية السعودية ودول الخليج بالوقوف في صفّ الروس، وليس الغرب، لأن قرار “أوبك بلس” يصبّ في مصلحة إبطال مفعول العقوبات الاقتصادية الغربية على موسكو. لكن الرياض دافعت عن علاقاتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة، وأن دوافع القرار اقتصادية وليست سياسية، وأن الغاية من إنشاء تحالف “أوبك بلس” تنظيم سوق النفط، والهدف الحالي هو الحفاظ على سعر النفط بين 90 و100 دولار للبرميل، وأن من غير المعقول أن تصوّت ضد مصالحها، وتقلل من عائداتها من النفط.

في الواقع كان قرار “أوبك+” بالتخفيض بعد أن انخفض سعر البرميل الشهر الفائت إلى 84 دولارا، ثم صعد قليلاً، وكان من المتوقع أن يعاود الانخفاض، بسبب قلة الطلب العالمي على موارد الطاقة، حيث تتوقع مؤشّرات في اقتصادات الدول الصناعية الكبرى، الأوروبية وأميركا واليابان، في النصف الأول من العام الحالي، الدخول في ركود اقتصادي، والذي سببه بالأصل ارتفاع أسعار موارد الطاقة بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، والاقتصاد العالمي لم يتعافَ بالأصل من تبعات وباء كورونا.

وبالتالي، من مصلحة الدول المنتجة للنفط الحفاظ على سعر متوازن للبرميل، وتقليل أثر الأزمة على عائداتها من النفط الخام. لكنَّ السعودية كانت قد استجابت لمطلب واشنطن بزيادة الإنتاج في 2014، عقاباً لروسيا على غزوها شبه جزيرة القرم؛ وأيضاً، بالنظر إلى أن السعودية لم تؤجّل التصويت لشهر واحد، استجابة لمناشدات الإدارة الأميركية، لتمرير الانتخابات، وهذا يعني أن الرياض تتمرّد على حليفها الأميركي، وتوجّه صفعة لإدارة بايدن في توقيت حرج، قبيل ثلاثة أسابيع من الانتخابات النصفية. ورغم كل التنازلات التي قدمها بايدن لولي العهد السعودي؛ محمد بن سلمان، حيث زار المملكة بنفسه في يوليو/ تموز الماضي، متراجعاً عن وعوده الانتخابية بجعل السعودية دولة منبوذة، وصافح ولي العهد بـ”قبضة اليد”، واعتقد أن السعودية لا يمكن أن تُغضب الولايات المتحدة وترفض مطالبها المصيرية بالنسبة للإدارة الأميركية.

توصيات بمراجعة القرار الأميركي بالانسحاب من الشرق الأوسط ومناطق أخرى، في هذا الظرف الدولي، من دون ترتيب وضعها الأمني

تداعيات القرار كارثية على اقتصادات الدول الصناعية الأوروبية وأميركا، لأن هذه الدول تدخل بالفعل حالة ركود اقتصادي رسمي، مقابل نموٍّ لدى الدول المصدّرة للنفط، ومنها روسيا ودول الخليج، ونمو الصين في تصاعد أيضاً. وهذا يدفع بايدن ومسؤولي إدارته إلى وضع السعودية في الصفّ المعادي للغرب؛ وهو لا يملك خياراتٍ عاجلة تجاه الرياض، سوى استمرار تحميلها مسؤولية تبعات القرار، لتبرير ارتفاع أسعار موارد الطاقة، حيث لا يبدو التوجّه نحو النفط الفنزويلي متاحاً في الوقت القريب، ولم يعد بمقدوره سحب مزيد من الاحتياطي الاستراتيجي من النفط والبالغ 600 مليون برميل، بعد أن سحب ثلثه في الأشهر السابقة، ولن تنفع كثيراً سياسة الضغط على السعودية عبر تجميد مبيعات الأسلحة الأميركية إليها، ومنها المنظومة الدفاعية باتريوت.

واقع الحال أن السعودية لا تريد الاصطفاف ضد مصالح الغرب، وقد صوّتت قبل أيام ضد ضم روسيا أقاليم من أوكرانيا؛ لكنها مهتمة بالفعل بالحفاظ على مداخيلها من عائدات النفط من جهة، ولا يخفى أنها تفضل الجمهوريين لأنهم كانوا أكثر استجابة لمطالبها، خصوصا ما يتعلق بعدم التوصل إلى اتفاق مع إيران لا يراعي المصالح السعودية؛ ولأن إدارة بايدن لا تريد إنهاء ملفات انتهاك حقوق الإنسان في السعودية، وفي مقدمتها قضية مقتل جمال خاشقجي، إلا بأن تعترف الرياض بمسؤوليتها عن الأمر، وترفض واشنطن العودة إلى الاتفاقية الاستراتيجية لعام 1945، الأمن مقابل النفط. وفي الوقت نفسه، لا تريد الرياض الوقوف ضد موسكو، باعتبارها شريكاً مهماً في التحكّم بسوق الطاقة عبر تحالف “أوبك بلس”؛ فضلاً عن تعاون عسكري واقتصادي بين الطرفين.

تدفع الخلافات مع واشنطن الرياض إلى البحث عن مصالحها بقوة امتلاكها سلاح النفط، والذي تخسره مع الوقت

إذاً، تستغل السعودية فرصة الصراع الدولي بشأن الحرب الأوكرانية، عبر سلاح النفط، الذي يلعب دوراً مهماً في احتمال دخول العالم في أزمة اقتصادية، قد تكون مدمّرة، وقد تطيح حكومات دول أوروبية، وهدفها الأول هو إطاحة إدارة بايدن، والذي لا يملك خياراتٍ كثيرة، في هذا الظرف الحرج. أولوية بايدن حالياً هي الانتخابات النصفية في 8 الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني).

لذلك هو يتهجّم على السعودية وعلى قرارات “أوبك بلس”؛ لكن أصواتاً أميركية، يمكن وصفها بالواقعية، بدأت تعلو مطالبةً بإعادة تقييم العلاقات مع دول الخليج، وخصوصا السعودية، والنظر إلى بن سلمان أنه سيحكم السعودية عقودا مقبلة، ومن الأفضل تخلّي واشنطن عن سياسة التعالي الأخلاقي على دول ديكتاتورية لها أدوار مهمة؛ بل هناك توصيات بمراجعة القرار الأميركي بالانسحاب من الشرق الأوسط ومناطق أخرى، في هذا الظرف الدولي، من دون ترتيب وضعها الأمني.

ترفض السياسة الأميركية تقديم السلاح لدول الخليج، إلا بالقدر الذي يحفظ توازنات المنطقة، وحالياً ترفض الرياض التطبيع مع إسرائيل، والدخول في شراكةٍ أمنيةٍ في مواجهة المشروع الإيراني، وتريد شراكة أمنية مع واشنطن، كما كانت، في السابق. وتُحمّل واشنطن الرياض مسؤولية حرب اليمن، وقد رفعت الحوثيين من قائمة الإرهاب، وتخشى واشنطن من تطوّر العلاقات السعودية مع كل من الصين وروسيا، وقد رصدت استخباراتها تطوير السعودية صواريخ بالستية بمساعدة الصين، وتخشى أن تبيع الرياض نفطها للصين باليوان بدلاً من الدولار، وحرمان الخزينة الأميركية من عوائد بيعه.

تدفع هذه الخلافات الرياض إلى البحث عن مصالحها بقوة امتلاكها سلاح النفط، والذي تخسره مع الوقت، بتوجه العالم أكثر فأكثر إلى الاعتماد على الطاقات النظيفة، بدلاً من الوقت الأحفوري.

رانيا مصطفى كاتبة سورية – العربي الجديد

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

الشاب الذي هزم فرنسا… وطرد الفرنكفونية

ظلّ طيف من الأدباء والمثقفين العرب يتغنّى طوال حياته بانتمائه للثقافة الفرنكفونية. أعرف روائيًا مصريًا لم يكمل تعليمه الثانوي بقي يردّد حتى مماته أنه ابن الثقافة الفرنكفونية البار، رغم أنه لا يستطيع أن يتحدّث جملتين باللغة الفرنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
9 × 14 =