سوء الفهم الكبير بين المغرب وتونس

الآن وقد بدأت حِدّة الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت بين تونس والمغرب، على خلفية استقبال الرئيس التونسي قيس سعيّد زعيم جبهة بوليساريو إبراهيم غالي، تَخِفّ، رغم أن التوتر ما زال سيد الموقف بين البلدين المغاربيين، فإنه يمكن مناقشتها بهدوء، بعيدا عن لغة التشنج الإعلامي التي سادت من الطرفين طوال الأسبوعين الماضيين، مع الاعتراف بأن حدّة التشنج كانت أعلى في الجانب المغربي. وبالعودة إلى الخلف، إلى بداية هذه الأزمة الطارئة، يبدو الحادث الذي أثارها بلا معنى، ولم يكن يستحقّ كل هذا الجهد من الغضب الذي أظهر أسوأ ما في العلاقات بين البلدين، ودفع اتحادات رياضية مغربية إلى مقاطعة فعاليات رياضية على أرض تونس، في موقفٍ غير مفهوم وغير مبرّر، لأن المغاربة دأبوا على المشاركة في كل الفعاليات الرياضية التي تقام على أرض الجزائر، وجديدها أخيرا ألعاب البحر الأبيض المتوسط في وهران هذا الصيف، وشارك فيها رياضيون مغاربة فيما قطيعة دبلوماسية وسياسية كاملة ومستمرة بين المغرب والجزائر منذ زهاء نصف قرن، بلغت أوجها أخيرا عندما أقدمت الجزائر على وقف إمداداتها من الغاز للمغرب وإغلاق سمائها أمام الطيران المغربي، وقبل ذلك إغلاق حدودها أمام المغاربة منذ عام 1994!

هل كان يمكن تجاوز هذه الأزمة؟ نعم ولا. نعم، لأن الحادث الذي كان سببا في اندلاعها والمتمثل في استقبال رئيس الجمهورية التونسية رسميا زعيم جبهة يصفها المغرب بـ”الانفصالية”، تطالب باستقلال الصحراء التي يعتبرها المغرب جزءا لا يتجزأ من وحدته الترابية، هو في حد ذاته “لا حدث”، بما أنه لم يغيّر أي شيء من الموقف التونسي الرسمي الذي أعاد بلاغ (بيان) وزارة الخارجية التونسية التأكيد عليه، وهو “الحياد الإيجابي” الذي اعتمدته الدبلوماسية التونسية منذ اندلاع نزاع الصحراء في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

وكان يمكن تجاوزها أيضا، لأن المغرب الرسمي الذي اعتبر أن الاستقبال التونسي لزعيم “بوليساريو” عمل غير مبرّر ويضر بالعلاقات بين البلدين، هو نفسه المغرب الذي حافظ، منذ اندلاع نزاع الصحراء في منتصف سبعينيات القرن الماضي، على علاقة دبلوماسية وسياسية مع الجزائر التي ترعى “بوليساريو” وتسلحها وتدعمها ماديا وسياسيا وإعلاميا، وتستضيف مخيمات لاجئيها ومعسكرات مقاتليها التي تنطلق منها لمهاجمة المغرب. ومع ذلك، حافظ على علاقته مع الجزائر، حتى في عز سنوات حرب الصحراء. وزار العاهل المغربي محمد السادس الجزائر عام 2004، ومكث فيها أربعة أيام، وهو يعرف أنها تفتح سفارة لجبهة بوليساريو في عاصمتها. وفي آخر خطاب له، وجه ملك المغرب الدعوة إلى الجزائر لطي صفحة خلافاتها مع المغرب وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، ولم يشترط في ذلك أن تتخلى الجزائر عن مساندتها “بوليساريو”، وأبعد من ذلك لم يطلب منها أن تغلق سفارة هذه الجبهة بالعاصمة الجزائرية، أو أن تغلق معسكراتها في ضواحي مدينة تندوف في الجنوب الجزائري.

ما يجمع الدول المغاربية وشعوبها في تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا وليبيا أكثر مما يفرّق بينها

أما وأن الأزمة قد وقعت، فإن سوء التقدير هنا يرجع إلى الرئيس التونسي الذي كان يمكن أن يتفادى وقوعها، لو أنه تجنب ذلك الاحتفاء البروتوكولي بضيفه الصحراوي الذي لم يكن حضوره قمة اليابان وأفريقيا على الأرض التونسية المستفزّ للمغاربة، وإنما طريقة استقباله من رئيس دولة يعتبرها المغرب صديقة ومحايدة في موضوعٍ يضعه المغاربة في مقدمة أولوياتهم الوطنية. وبما أننا لا نعرف ما جرى في الكواليس قبيل هذا الاستقبال الذي لا شك أن سفارة المغرب في تونس كانت على علم به، وربما أبلغت دوائر الخارجية التونسية بما قد يشكله من استفزاز لمشاعر المغاربة، يمكن تفهّم رد الفعل الرسمي المغربي باستدعاء سفير الرباط في تونس للتشاور، وهذه درجة أخفّ للتعبير عن سوء فهم دبلوماسي بين البلدين. وكان يمكن احتواء هذه الأزمة في البيانين الرسميين الصادرين عن خارجيتي البلدين، بيان الخارجية المغربية التي وصفت استقبال زعيم “بوليساريو” بأنه عمل خطير وغير مبرّر يضر بالعلاقات بين تونس والمغرب، ورد الخارجية التونسية الذي أكد على موقف الحياد التام الذي حافظت عليه تونس بشأن قضية الصحراء.

ولكن ما أجج الأزمة، بل وأخرجها عن سياقها الدبلوماسي المفهوم والمبرّر من الطرفين، الحملة الإعلامية التي اندلعت على هامشها، وطاولت اليابس والأخضر في العلاقات التونسية المغربية. وحتى هذه، كان يمكن تفهمها لو أنها بقيت في حدود رد الفعل المنتقد والمعاتب، لأن المغاربة رأوا في الاستقبال التونسي رئيس جبهة توصف في المغرب بأنها “انفصالية” إساءة لمشاعرهم واستفزازا لهم. وفي المقابل، رأى التونسيون في رد الفعل الرسمي المغربي القاسي، وفي حدة لغة الحملة الإعلامية المغربية ضد بلدهم ومؤسساته، احتقارا لهم ومسّا بسيادتهم الوطنية، وقبل ذلك لم تتفهم كثير من قواهم الديمقراطية الهرولة المغربية نحو التطبيع مع إسرائيل، الذي مسّ مشاعر كل شعوب المنطقة، بمن فيهم المغاربة المناهضون للعلاقات مع الكيان الصهيوني، والذين يمثلون الأغلبية الصامتة.

أصوات النشار التي تعلو اليوم في البلدين لا تمثل الشعبين، ولا يجب أن نتركها تُفسد تاريخا طويلا من علاقات التفاهم والتآخي بين التونسي والمغربي، وقد حان الوقت لصوت العقل أن يرتفع في الدولتين، ولمَ لا حتى في الجزائر، لاحتواء هذه الخلافات التي تعطّل تنمية المنطقة وبناء وحدتها، وتسمح لدول غريبة عنها أن تتلاعب بمصير شعوبها وتستغل مقدراتها.

على أصحاب النيات الحسنة التدخل لرأب الصدع بين البلدين، لأن ما يجمع بين شعبيهما أكثر مما يفرّق بينهما

ما يجمع الدول المغاربية وشعوبها في تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا وليبيا أكثر مما يفرّق بينها، فالمفكر الكبير ابن خلدون هو إرث ثقافي مغاربي مشترك، قبل أن يكون تونسيا أو مغربيا، عاش ومات تونسي المنشأ ومغربي الهوى. وفي أثناء حملة بورقيبة على خصومه “الحشاديين”، وجدوا في المغرب مأوى لهم. وفي سنوات الجمر والرصاص في المغرب في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، كانت تونس ملجأ للمعارضين المغاربة، وتحت حكم الدكتاتور زين العابدين بن علي كان الديمقراطيون التونسيون المعارضون لنظامه يعقدون اجتماعاتهم السرّية في المغرب. ومنذ اندلاع “ثورة الياسمين” في تونس، تحولت تونس إلى محجّ لكل الديمقراطيين والمعارضين المغاربة الذين وجدوا فيها الأمل والملجأ والدعم والمساندة من كل القوى التونسية المدنية والسياسية الحية التي تعتبر أن معركتها هي معركة الشعوب المغاربية كلها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن قيم الحرية والديمقراطية والكرامة.

الرسالة المغربية التي أرادت السلطات أن توصلها من خلال استدعاء سفيرها وصلت، ورد الفعل التونسي للتأكيد على سيادة الدولة التونسية مفهوم ومبرّر، لأن لا أحد يشكك في سيادة الدولة التونسية ومؤسّساتها الدستورية، وعلى أصحاب النيات الحسنة التدخل لرأب الصدع بين البلدين، لأن ما يجمع بين شعبيهما أكثر مما يفرّق بينهما. والأكيد أن المستفيد من هذه الأزمة هي القوى الخفية نفسها التي لا تريد أن ترى اتحادا مغاربيا قويا يجمع شعوب المنطقة كلها من المغرب إلى ليبيا داخل تكتل جغرافي واقتصادي واحد، ما زال هو أمل شعوب المنطقة وحلمها المنشود.

علي أنوزلا – صحافي وكاتب مغربي / العربي الجديد

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

الشاب الذي هزم فرنسا… وطرد الفرنكفونية

ظلّ طيف من الأدباء والمثقفين العرب يتغنّى طوال حياته بانتمائه للثقافة الفرنكفونية. أعرف روائيًا مصريًا لم يكمل تعليمه الثانوي بقي يردّد حتى مماته أنه ابن الثقافة الفرنكفونية البار، رغم أنه لا يستطيع أن يتحدّث جملتين باللغة الفرنسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
16 ⁄ 8 =