من المسؤول الأول عن الفقر في العالم، الجوع اليوم من صنع البشر

ذات يوم خصص زعماء الاتحاد الأوروبي في قمتهم بباريس بتاريخ 12 أكتوبر 2008، مبلغ 1700 مليار يورو، لمواجهة آثار الأزمة الاقتصادية العالمية، بينما انخفضت ميزانية برنامج الغذاء العالمي من ستة مليارات في عام 2008، إلى أربعة مليارات في عام 2009، الأمر الذي تسبب في إلغاء وجبات الطعام التي كانت المدارس في بنغلاديش تقدمها للتلاميذ، وهي التي كانت تمثل الوجبة الرئيسية الوحيدة في يومهم، وتدل الإحصائيات على أن المحاصيل الزراعية العالمية، تكفي لإطعام اثني عشر مليار شخص، أي ضعف عدد سكان الكرة الأرضية، ( فالطفل الذي يموت جوعًا اليوم، هو قتيل، فالجوع اليوم هو من صنع البشر).

ذات يوم حدثت أزمة تامين رغيف الخبز للمواطن في دولة عربية، فتدخل رئيس الجمهورية بنفسه، وتدخلت القوات المسلحة، لتوزيع رغيف الخبز المدعوم، طوابير من البشر يقفون من ساعات الفجر الأولى هناك للحصول على رغيف الخبز المدعوم، قبل أن ينفد. وفي نفس الدولة تدخل محلات السوبر الماركت، لتجد ما لا يقل عن عشرين نوعاً من الخبز الفاخر، متوفرة لمن يملك الثمن، ناهيك عن الفنادق التي توفر أنواعاً من الخبز الفرنسي التي لا يعرفها العامة.

ذات يوم في بعض الدول عربية، هناك من لا يقدر على شراء اللحم، أو حتى العظام، فيكتفي بشراء أرجل الدجاج ليحضر مرقًا، ويكون في الطعام مذاق له علاقة باللحم ولو من بعيد.

ارتضى عالم الاجتماع السويسري جان تسيجلر أن يجرب ما يأكله الفقراء في دولة هايتي، والتي تعد وجبة أساسية هناك، حيث تقوم النساء بخلط الخضراوات وبقايا الفاكهة مع الطين، ويتركون هذا الخليط يجف تحت أشعة الشمس، ثم يقومون بتقطيعه وبيعه إلى من لا يملك ثمن الدقيق والذرة، ويضيف تسيجلر بسخرية مريرة أن هذا الخليط (يعزز الوهم بتناول الطعام، ويسد المعدة، ويحجب الشعور الطاغي بالجوع).

الضحية الكبرى لأزمة الغذاء في العالم هم النساء والأطفال الصغار، الذين يموتون جوعاً، أو يتسبب هذا الجوع في الشهور الأولى من عمرهم، في إصابتهم بعاهات في المخ لا تزول، حتى ولو أمكن إطعامهم بعد ذلك بصورة طبيعية، هناك شخصاً من الفقراء يفقد بصره كل أربع دقائق، بسبب نقص الغذاء ونقص فيتامين (أ)، كما أن عدد الأشخاص الأكثر جوعًا في العالم، ارتفع للمرة الأولى إلى ما يزيد عن المليار شخص.

حين يقوم صندوق النقد الدولي بجدولة ديون الدول الأشد فقراً، يفرض عليها زراعة منتجات معينة مخصصة للتصدير، تحتاجها مصانع الغرب المتحضر، فدولة مثل مالي مثلاً، تضطر لزراعة القطن وتصدره، ففي عام 2008 أنتجت مالي وصدرت حوالي 380 ألف طن من القطن، بدلاً من زراعة الحبوب التي يحتاجها السكان المحليون، في حين اضطرت مالي لاستيراد 70 في المائة من المواد الغذائية من الخارج، واشترت الأرز من تايلاند.

تعاني الدول النامية التي تقوم بزراعة محاصيل زراعية، من نقص السماد الجيد والمناسب، ونقص في الماكينات الزراعية اللازمة، فمثلاً ينتج المزارع في بوركينا فاسو الإفريقية حوالي 600 كيلو جرام من الحبوب، إذا زرع مساحة قدرها هكتار، في حين تنتج نفس المساحة في دول غرب أوروبا حوالي عشرة أطنان من الحبوب.

(بعد الأزمة المالية العالمية، حيث وجد المستثمرون أن قطاع العقارات لم يعد مضموناً، فانتقلوا إلى المضاربة على المنتجات الزراعية، وارتفع حجم هذه المضاربات من عشرة مليارات دولار في عام 2000م، إلى 175 مليار دولار في عام 2008م، وحقق المضاربون أرباحاً خيالية من جراء الصفقات الآجلة، وانتشرت في المصارف السويسرية صفقات الأرز، وارتفعت أسعاره، وفقد فقراء الهند والمكسيك والبرازيل آخر ما كانوا يستطيعون الحصول عليه من الطعام، حتى تمتلئ جيوب الأثرياء بالمزيد من الأموال، ولذا فإنه ليس من المستغرب أن تمتلك أكبر 500 شركة عالمية، أكثر من نصف الناتج المحلي على مستوى العالم، وأن يتم حرق 120 كيلو جراماً من الأرز لإنتاج 50 لتراً من الوقود البديل عن النفط، تكفي لتعبئة خزان السيارة مرة واحدة، وتكفي لإطعام طفل في دولة فقيرة لمدة عام بأكمله، ويذكر تسيجلر أن الولايات المتحدة حرقت في عام 2008م حوالي 138 مليون طن من الذرة ومئات الملايين من أطنان الحبوب، لإنتاج الوقود الحيوي، المعروف باسم الإيثانول، لكي لا تحتاج إلى النفط القادم من الدول العربية).

وإذ علمنا أن الأشخاص الغربيين المتحضرين الذين يرأفون بالحيوان، وينشئون الجمعيات الخيرية في كل مكان، هم نفس الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية موت الأبرياء جوعاً، أو على الأقل يسهمون بصمتهم عن قيام حكوماتهم المنتخبة بعمل ذلك، فـ (الغرب بشركاته العملاقة، وهيمنته على الاقتصاد العالمي، هو المسؤول الأول عن الفقر في العالم، وعن موت الجياع).

تقدم الدول الصناعية لقطاعها الزراعي المساعدات، بلغت قيمة هذه المساعدات 349 مليار دولار في عام 2009، ليحصل المستهلك في الدول الغربية على منتجات زراعية بأسعار منخفضة، وما يتبقى من هذه المنتجات يشق طريقه إلى الدول الفقيرة بأسعار منخفضة للغاية، تؤدي إلى عدم قدرة المزارع الإفريقي على المنافسة وبيع محصوله، الذي لم يجد من يقدم له المساعدة المالية السخية، ليستطيع المنافسة في السوق، ويصمد أمام المنتجات الأوروبية.

المطلوب من الغرب أن يسن القوانين التي تمنع المضاربة بالمحاصيل الزراعية، وعدم ابتزاز الدول الفقيرة، والتنازل عن ديونها، والتوقف عن استغلال الدول الفقيرة، بتوقيع عقود مجحفة في حق شعوب هذه الدول، كعقود استغلال المناجم في بعض الدول الإفريقية، وألا تفرض على هذه الدول زراعة محاصيل تحتاجها مصانع الغرب.

بيانات حول الفقر والغنى في العالم:

• ثروة أغنى ثلاثة أغنياء في العالم تتجاوز مجموع الناتج القومي لخمس وثلاثين دولة نامية، عدد سكانها يصل إلى حوالي 600 مليون نسمة.

• تتجاوز ثروة المائتي شخص الأكثر ثراء في العالم إجمالي عائدات مجموعة من الدول يشكل حجم سكانها أكثر من 40 % من سكان العالم. وقد وصل حجم ثروات هؤلاء الأغنياء إلى أكثر من 100 مليار دولار. في حين يوجد في العالم أكثر من مليار وثلاثمائة مليون إنسان لا يتجاوز دخل الفرد منهم دولار واحد يومياً.

• تتجاوز عائدات الجريمة المنظمة مبلغ 1500 مليار دولار سنوياً.

• يدر استغلال النساء والفتيات جنسياً حوالي 7 مليار دولار سنوياً.

• 88 % من مستخدمي شبكة الانترنت في العالم يعيشون في الغرب الصناعي المتقدم.

• يتم يومياً تبادل ما قيمته حوالي 1500 مليار دولار في أسواق العملات العالمية.

• 20 % من سكان العالم، وهم أصحاب أعلى دخل فري في العالم، يتحكمون بـ 86 % من إجمالي الناتج القومي العالمي، و80 % من صادرات العالم.

• تحتكر الأفلام الأمريكية 70 % من السوق الأوروبية، و83 % من سوق أمريكا اللاتينية.

• شخص ثري في الغرب أراد أن يعاقب كلبه، فاشترى له طوقاً ذهبياً مرصعاً بالمجوهرات قيمته أكثر من 35 ألف دولار.

• ينفق الأمريكيون على إطعام كلابهم ما قيمته 8 مليار دولار سنوياً. وهذا المبلغ يكفي لإطعام 250 مليون طفل لمدة سنة، في البلدان الفقيرة.

• يصل إنفاق الحكومة الفيدرالية الأمريكية على السجون حوالي 7 مليارات دولار سنوياً.

• يصل عدد الأمريكيين الذين يعانون من الفقر إلى أكثر من 26 مليون نسمة، وهذا يعادل حوالي 20 % من سكان الولايات المتحدة.

الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري

كلية الاقتصاد – جامعة دمشق

مصطفى العبد الله الكفري

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

تراويح أميركية

وكأن بيننا من مازال بعد مسكونا بالرغبة في "غزو" العالم وسبي النساء و"تحقيق الانتصارات". وكأن الصلاة في ساحة مدينة غربية أو في عربة ميترو هو انتصار في حرب أو معركة. أو ليست الصلاة لحظة حميمية بين المؤمن وربه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Solve : *
14 ⁄ 7 =