اليسار واليمين على دائرة مستديرة

في ظلال الرأسمالية والبيبرالية الجديدة ، استحال كل شيئ إلى مادة ونقد ومقايضة ، مصالح بدل أواصر ، وربح محل فكر ولحظة سمر ، رصيد في البنك مكان عزف على العود وليلة أندلسية حمراء تعيد إلى الذاكرة أيام غرناطة وإشبيلية ، كل شيئ فقد قيمته ومبدئيته ، حتى جمال الطبيعة في البراري والجبال أصبح مقابل المال ، أن تطأ بقدمك شبرا أصبح بمقابل ، حق المرور ، حق الجلوس، حق النظر، جواز سفر وفيزا لإستعادة الذكريات الجميلة في الأندلس أو حج البيت أو رؤية الأهرام ، أما بيت المقدس وحائط البراق ، فيحتاج لبندقية وكوفية وعزف ملحمة بالكمان ، كل فلسطين أضحت أرض المبكى ، غزة تسكب دموعا والضفة تحضنها والجامعة العربية تطعنها .

حصلت أموالا كالبدور من بيع كبدتي التي احترقت على الشهباء ودمشق وصنعاء والكوفة والبصرة وطرابلس ، بضَّعت عيناي اللتان ابيضتا من الأسف على ضياع الطفولة العربية ، والشرف العروبي القبلي، والإخلاص للقضية القومية . بعت كتاب “الوطن” بدينار واحد ، أقنومي أغنى من الوطن ، سأعيد عيناي وكبدي وأبني وطني في أفق لامدرك وأصنع أمة سرمدية على الضياع وعصية على الخذلان .

لن أبني قصرا بديعا كتاج محل ، ولن أشيد مقهى أو مطعم ، لن يكون لي فندق أو مسبح ، لأني لن أُمنح براءة الفقراء وطيبوبة البؤساء ، قد يقدم أحد من دور الصفيح أو حي الأموات أو منفى الوطن ، لكن لن يكون على فطرته ، سيتأثر في أبعاده النفسية بالطبقية وترف العوائل المخملية ، سيغادر منكسرا أسيفا ، لأن المادية صارت معيارية في مخيال البلاهاء . قررت أن أخلد في قلوب البسطاء ، فأُعَمِّر صالونا أدبيا لأنه أعدل من بيت العدلية ، الفيصل فيه للعقل والفكر والملكة والثقافة ، لن ترشي قاضيا أوشرطيا أو مسير اللقاء ، لن يشهد أحد معك بالزور ، لن تتوانى في تمجيد من هم في سجل التاريخ ، ماوتسي تونغ، ستالين ، تشيغيفارا، تشرشل، غاندي،مالكوم إكس ، الشريف حسين ، جمال عبد الناصر ، السادات ، الكل بريئ في الصالون الأدبي لأن التاريخ ليس حُكما انتهائيا ، والدعوى تسقط بموت الظنين.

اقتنيت منزلا قديما في حي “دور العسكر” ، بشبه الحفر التي يبنيها الجنود في الصحراء ، سأحوِّل التشابولا ،كما يتداولها المغاربة في العامية ، إلى صالون أدبي ، ننتشي فيه أوراق نجيب محفوظ ،نزار قباني،محمود درويش، محمد الماغوط ، العقاد ،كافكا ، نيتشه ، شوبنهاور .. .المكان له دلالة تاريخية ورمزية ، إنه اختراق ناعم للثكنة والجيش، الدوار يتلتل باليتامى والأيامى والفقر ، الجنود أسرى في الصحراء ،أو معتقلين في قلعة الأزهار، أو يفترشون الكرتون أمام البرلمان . الدار ستعيد نفسها بلوحات الأدب ، وتنفض عنها تلك الصور القديمة التي تبرز إرث ليوطي والفرنسيس ، سنبدل روزنامة تعود للتسعينيات بقائمة اللقاءات وتواريخها ، سنضع على الجدران لوحات فنية وصور تفتن الإسمنت والاَجور حتى ينصهرا ، مارلين مونرو ، هاندا ارتشيل ،اوبرا ، هند رستم ، سعاد حسني ، فيروز ، جميلة بوحيرد ، سعيدة المنبهي .. .

الصالون أصبح جاهزا ، عقدنا أول لقاء في المساء ، حوالي الرابعة عصرا ، الشيوعيون واللادينيون حول المائدة المستديرة يشربون سجائر لوكاميل ، ويحتسون طست القهوة الباريسية ، الإسلاميون في المسجد للصلاة ، الشعراء يرتجلون بهمسات خفيفة أبياتا ترثي جمال مونرو وفداء المنبهي، وشاب كفيف في مقتبل العمر يضع نظارات سوداء ويعزف على العود مقاطع من الخالادات لعبد الوهاب الدكالي “مرسول الحب” . بعد ساعة من الأنس مع المكان والأشخاص ، شرعنا في التيمة الأولى التي يحتضنها هذا الصالون ، نتشارك فيها الخبز الحافي وحياة محمد شكري .

شرع المتدخل الاول من جناح اليسار ، يشفع لكتابات شكري وحياة التسكع والألم والسجن ، ويثني على شخصيته العصامية التي حولته من قط الشارع إلى كاتب في التاريخ . محمد شكري، يقول المتدخل، هو أنموذج للإنسان المثقف الذي يثب على الطابوهات ويتجرأ بلطف على المقدسات ويحولها إلى ممكنات . الخمر ،الجنس،الفقر، التسكع، السرقة ، ولعق قطرات الحليب من قطع زجاج متناثرة على الأرض، كلها سطور من حياته لا من محض الخيال ، السكوت عنها جريمة بحق الذات ، البوح بها هو اعتراف بالخطيئة التي ترتكبها السماء بحق الإنسان ، شكري لم يجتبي حياة الأزقة بين حاويات الأزبال وقذورات الأماكن ، شكري إله نفسه ، لأنه غيًَّر قدره بيده وقلمه ، لم تكسره تراجيديا ماضيه . إن الخبز الحافي هو تصريح بالحال لكنيسة القُرّاء بغية منح الحياة صك غفران لما تركته من خدوش وكدمات في جسده النحيل ونفسيته المحطمة . الوطن لم يكن أقل جبروتا من الحياة ، الإسبان كما المغاربة الفقراء والمترفون ، جميعهم أمام محكمة شكري ، جرائمهم عديدة ، حرمانه من الخبز ومن الحياة ومن السلام . لكنه ظل مؤمنا بوطنه طنجة ، كما لا تغيب صورة عبلة عن عنترة .

أرهفت السمع لسرديات اليسار ، وأنا أتناول كأس شاي لأرتشف منه بروية كقبلات العشاق في مساء يوم حار من أغسطس على شاطئ سانتا ماريا أو سانت بيت ، إذا بتيار الإسلاميين يصرخ بملأ فاه كالمُدان بالإعدام ظلما أمام محكمة الرباط أو القاهرة ، ويسترسل في التنديد بموقف اليسار من شكري ومن الإلاه ، معتبرين ذلك تجديفا وكفرا بواحا وخروجا عن الإسلام . بين ثنيايا الحديث ، حل محمد عبد الوهاب مكان محمد شكري، وكشف الشبهات موطن الخبز الحافي . تحت ظلال القراَن والسيد قطب ودفاع اليسار عن حرية الدين والتعبير ، أحاول أن أنظف ثيابي من الشاي الذي سكبته على نفسي بسبب قوة فولط انتفاضة تيار الوهابيين البديهي ، فقصدت التوليف بين وجهات النظر ، بالتأكيد على أن الصالون للأدب وليس للدين أو الأيديولوجيات ، توسطي زاد من حدة القطبيين والوهابيين ، فانتفضوا كثورة الربيع العربي ، واحتلوا الصالون باسطين سجاداتهم المخبئة في محافظهم ، ومنهم من جلس على قميصه ، أمَّمهم رجل في الأربعينيات ، حليق الشارب مشذوب اللحية ، يرتدي لباسا عصريا ، ويحمل فهما باليا عن التدين والإسلام كما كُشف من خطبته التي ابتدهها .

في فورة الإخوان المسلمين ، أراد اليمين تحقيق صبوة من أجل استئناف الحديث حول شكري وحياته ، لكن الإسلاميين ظلوا على موقفهم مستغلين مساحة واسعة من الصالون في تدارس الأصول والعقيدة والحديث بفهمهم الجامد والميكانيكي للإسلام .

على مضض ، جلس اليمين واليسار على المائدة مرة ثانية ، أما الوهابيون فمنشغلون بالمتون والسنن . قال يميني ، أن محمد شكري من طراز المثقفين الكبار الذين واجهوا الإستعمار وتحدوا عتمات السجون ، لكن كنقطة نظام ، أرفض ان يقول أن جنسيته طنجاوي ، لأنه مغربي ، الوطن من طنجة إلى الكويرة .

قاطعه اليسار ، محمد شكري حر في اختيار وطنه ، نحن نؤمن بحق الإنسان في الإختيار ، وفي تقرير المصير ، نرفض الشوفينية والقومية.

اليمين يثرثر بكلام التخوين والجزائر والعمالة للفرنسيس .

الصالون لبس مجلدات السياسة ،الثورة الفرنسية، الحركة الوطنية ، الخطابي،سايكس بيكو ، بن بركة ، الإستقلال، التقدم والإستراكية، البديل الحضاري .. . فجأة ، هتف أحد من الخلف ، تسقط الملكية ، تسقط الملكية ، وقبل أن يكمل الثالثة ، كان الصالون مطوقا بسيارات البوليس والجيش .

في خضم هذا المشهد السريالي المضطرب في الداخل والخارج ، لم يحرك الكفيف ذو النظارات السوداء ساكنا ولم ينبس ببنت شفة ، الصالون لحقته لعنة التخلص من صور ليوطي التي كانت معلقة على الحائط القديم ، وقدر له أن يكون شاهدا على حدثين ؛ إفراغ سكان دور العسكر ونفيهم إلى صحراء تمبكتو ، وهدم الصالون الأدبي وجميع المنازل لبناء ملعب تنس وحانات وفنادق بأموال خليجية .

البوليس اعتقل عددا من الحاضرين ، التهمة التاَمر على الوطن وتهديد سلامة عوائل الجيش ، والمساس بالملكية، والإرهاب، وعدم ارتداء الكمامات للإحتراز من كورونا .

بعد مدة ، اشتغلتُ مراسلا صحفيا لوكالة دولية في غزة ، تفاجئت برؤية الشخص الكفيف الذي كان معنا في الصالون ، هو الاَن دون نظارات ويحدق جيدا ،حتى أنه يرى شرزا لون الجوارب ، برفقته نفس الأفراد الذين نسفوا مساء الأدب مع محمد شكري والخبز الحافي ، متخفين في هيئة موظفين في الصليب الأحمر لمساعدة الجرحى . الاَن أدركت الأمر ، لقد كانوا منذ البداية بوليسا ، لماذا تاَمروا على الصالون ؟ لماذا يتواطئون مع الإسرائليين ضد غزة ، حماس مستهدفة ، الجهاد الإسلامي أيضا .

أعددت تقريرا أمنيا سريا ، أبرقته إلى الصحفية الدولية التي اشتغل معها ، يتضمن الهويات الحقيقية لهذه العناصر البوليسية ، ومن الجهة الأخرى ، أنجزت التقرير الصحفي الذي أثني فيه على دور الصليب الأحمر في مساعدة المرضى .

اليسار واليمين مثل الإلاه جانوس ذي الوجهين ، لكنه سيعجز أمام إرادتي ، لن أخون محمد شكري سنكمل رثاءه ، البوليس لن يرجع مرة ثانية ، العهد الجديد ، الدستور الجديد يضمنان ذلك ، وأموال الخليج لن تستطيع هدَّ صالوني الأدبي مرة أخرى ، لن يتكرر ذلك ، لأني سأشيد الصالون في كندا أو سويسرا ، أبناء الجنود مازالو في تمبكتو ، الله وحده سيهيأ لهم قدرا جديدا بعيدا عن الدرهم الإمارتي والريال السعودي والمخزن المغربي .

المهدي بوتمزين

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

هل من بديل روحي للدين؟

سؤال قد يكون غريب ليس لفرضه فقط بل لمنطقه أساسا حينما نعلم أن الدين هو جزء من المعرفة وضمن مصاديق المعنى التداولي للمعرفة بأنها نتاج الوجود العاقل في الوجود , الحقيقة مثل هذه الأسئلة والافتراضات تجنح بنا نحو العقل المصنوع والمهيأ لأن يقبل كل الأفتراض حتى فهم الجنون على أنه شكل من أشكال التعبير وحالة من حالات الإنسان المفكر الطبيعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Solve : *
28 ⁄ 14 =