الجزائر والمغرب بين ضفتين

الجزائر والمغرب، كلٌ اختار حليفه الاستراتيجي وشريكه الاقتصادي من الضفة الشمالية للمتوسط. وجد المغرب في إسبانيا حليفاً إقليمياً عزز موقفه في القضية الصحراوية، ووجدت الجزائر في إيطاليا أفضل شريك من الضفة الشمالية للمتوسط، لاعتبارات اقتصادية وسياسية وعوامل تاريخية.

صورة ملك المغرب محمد السادس على مأدبة الإفطار مع ضيفه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، قابلتها مائدة إفطار للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع ضيفه رئيس الحكومة الإيطالية ماريو دراغي. صورة بصورة وخطوة بخطوة، تختلف الحسابات لكنها تصب في غير صالح المنطقة المغاربية.

من حق إسبانيا أن تجد في الظروف الراهنة فرصة كاملة لإغلاق ملف السيادة على سبتة ومليلية نهائياً، وليس مهماً بالنسبة لمدريد ما هو الثمن الذي تدفعه مقابل ذلك، إن لم يكن من رصيدها الخاص. ومن حق إيطاليا أن تجد في الظروف نفسها فرصة لشراكة مستدامة في مجال الطاقة تغنيها عن تبعات الأزمة في أوكرانيا، ومن دون أن نغفل عن هيمنة وتركيز فرنسيين لافتين على تونس، في كل ما له علاقة بالخيارات الاقتصادية. بهذا الشكل تتوضح الصورة أكثر، ويمكن أن نفهم كيف تتقاسم دول الضفة الشمالية للمتوسط مصالحها في الضفة الجنوبية وتستفيد إلى أقصى حد من الأوضاع والظروف.

في المقابل، وبغضّ النظر عن أن المنطقة المغاربية محكوم عليها بالتواصل مع الشركاء من الضفة الشمالية، أو عن الظروف الملتبسة للخلافات المزمنة بين الدول المغاربية، يُطرح سؤال هام حول مصالح الشعوب المغاربية في ظل هذه الخيارات، وإلى أي حد ستستفيد الدول المغاربية من هذه الشراكات في المستقبل، مع أنه لم يجر تقييم جدي لنفس الخيارات السابقة (كمسار برشلونة خمسة زائد خمسة، أي الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وموريتانيا في مقابل فرنسا وإسبانيا والبرتغال ومالطا وإيطاليا).

لكن السؤال الأهم وإن كان افتراضياً، هو ماذا لو كانت الدول المغاربية على نفس الخط ومنسجمة بالحد الأدنى سياسياً، لإقامة مستوى من التعاون البيني أولاً، والتفاوض ثانياً ككتلة مجتمعة مع شركاء المتوسط، بما يضمن مصالح الشعوب المغاربية؟

صحيح أن دول الضفة الشمالية للمتوسط، ليست كتلة منسجمة، وهي متداخلة المصالح والمواقف، لكنها نجحت في توفير حد من المشترك السياسي والاقتصادي الذي يصوغ لها المواقف والمصالح المشتركة. وما من شك في أن دول الضفة الأخرى تستغل بصورة واضحة الخلافات في المنطقة المغاربية، والتنافر السياسي الحاصل، خصوصاً بين الجزائر والمغرب، بل إنها مهتمة باستمرار هذا الوضع على ما هو عليه، لأنه يحقق لها قدراً وفيراً من مصالحها.

في عام 1995، وباستغلال ظروف مماثلة، انفرد الاتحاد الأوروبي بكل دولة مغاربية على حدة، لتوقيع اتفاقية شراكة. وفي عام 1999 نبّه الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة إلى هذه المسألة واحتج في خطابه الشهير في بشار جنوبي الجزائر على كل من تونس والمغرب لفعل ذلك من دون تنسيق مغاربي.

بهذه الصورة يضيع على الشعوب المغاربية الكثير من الوقت وتُخطأ الحسابات، فبينما تفقد المنطقة المغاربية مع مرور الوقت إلى الكثير من عوامل التعاون والتنسيق والشراكة الممكنة والحتمية حتى، يصب رصيد من فائض المصالح على دول الضفة الشمالية للمتوسط.

عثمان لحياني – العربي الجديد

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

تراويح أميركية

وكأن بيننا من مازال بعد مسكونا بالرغبة في "غزو" العالم وسبي النساء و"تحقيق الانتصارات". وكأن الصلاة في ساحة مدينة غربية أو في عربة ميترو هو انتصار في حرب أو معركة. أو ليست الصلاة لحظة حميمية بين المؤمن وربه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Solve : *
15 − 9 =