أزمة “فينيسيوس” القطرة التي أفاضت الكأس.. آفة العنصرية الأوروبية تعود للواجهة من بوابة كرة القدم.. فيديو

قد لا تكون العنصرية موقفاً جديداً يتعرض له اللاعبون في كرة القدم أو في رياضات أخرى، لكن بإمكاننا القول إن موقف “فينيسيوس جونيور” الأخير طرق طبول الخطر بضرورة الوصول إلى حل لمنع مثل هذه التصرفات، ووضح القوانين المناسبة لردع مثل هذه التصرفات التي تخلو من الإنسانية بشكل كامل.

أثارت الأحداث الأخيرة التي تعرض لها لاعب الفريق الملكي “فينيسيوس جونيور”، الكثير من التساؤلات عن حماية قوانين كرة القدم للاعبين بمختلف الجنسيات والأديان وألوان البشرة والعرق وما إلى ذلك.

ففي مباراة ريال مدريد ضد فالانسيا، توجه بعض المشجعين بالإساءة وشتم لاعب ريال مدريد البرازيلي “فينيسيوس جونيور”، وقد يكون هذا الأمر معتاداً من قبل جماهير الخصم، بمحاولة منهم لتشتيت اللاعبين والتأثير عليهم، لكن ما تبعه من توجيه كلمات العنصرية في وجه اللاعب، الأمر الذي شكل موجة من الغضب لدى اللاعب والزملاء ومشجعي كرة القدم، حيث تلقى اللاعب مجموعة من الكلمات العنصرية كتشبيهه بالقرد وما إلى ذلك، الأمر الذي جعل اللاعب ينهار بالبكاء ويتجه لمغادرة الملعب.

لكن تمكن الحكم والمدرب واللاعبون من إقناعه بمتابعة اللعب، مع لقطة من الحكم توضح أنه لا يمكن إيقاف اللعب إلا بعد توجيه تحذير أول للجماهير، وفي حال تكرار الحالة سيتم انسحاب الفريق وإيقاف المباراة، وبعد مواصلة اللعب بدا جلياً أن اللاعب أصبح مشتتاً وفاقد التركيز؛ ما جعله يقوم بضرب لاعب فريق “فالنسيا”؛ ما تسبب في نيله بطاقة حمراء وخروجه من الملعب.

الأمر الذي جعل اللاعب يخرج غاضباً ومشيراً للجماهير بأنهم سيهبطون إلى الدرجة الثانية، مع قيامه بالتصفيق أثناء خروجه، ويحظى اللاعب بدعم جماهيري كبير من لاعبين ومدربين وصحفيين، منددين بهذا التصرف، ومتفاعلين مع الحادثة ومع منشوره الذي نشره على صفحته على إنستغرام، موضحاً العنصرية التي تعرض لها من قبل المشجعين، مرفقاً منشورة بفيديو يوثق ذلك.

لم يكن هذا الموقف هو الأول في حق اللاعب، فقبل عام هاجم الناقد الإسباني بيدرو برافو النجم البرازيلي “فينيسيوس جونيور” بتصريحات مسيئة، وقال إن احتفاله الراقص ينم عن عدم احترام للمنافسين، وشبهه بسلوك القرود، تعرض الأول لانتقادات حادة بسبب وصفه العنصري لرقص فينيسيوس، فاستدرك في تغريدة لاحقة أنه استخدم كلماته للدلالة على أن اللاعب يتصرف بغباء.

اعتذر “الإسباني بيدرو برافو” للاعب “فينيسيوس جونيور”، وكتب: “أود توضيح أن تعبير يلعب كالقرد الذي أسأت استخدامه لوصف رقصة فينيسيوس احتفالاً بالتسجيل كان مجازياً، أنا لم أقصد الإساءة لأحد، وأعتذر من قلبي”.

قبل ساعات من مواجهة ديربي مدريد، أصدر النادي الملكي بياناً لدعم لاعبه البرازيلي، جاء فيه:

“يود ريال مدريد التعبير عن تأثره ودعمه لفينيسيوس جونيور، فهو لاعب يعتبر كرة القدم نهجاً للحياة من خلال الفرح والاحترام والروح الرياضية، كرة القدم أكثر رياضة عالمية، ويجب أن تكون نموذجاً للقيم”.

“فينيسيوس جونيور” وقوانين ردع العنصرية في كرة القدم

منذ السبعينيات شهدت قوانين كرة القدم العديد من التعديلات في سبيل مواجهة العنصرية والتصدي لها، ومنها ما سنّه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، أنه بموجب قانون النظام العام لكرة القدم لعام 1986، يمكن سجن أو تغريم أي شخص أدين بتعمد استخدام كلمات أو سلوك مسيء أو مهين أو تهديد لشخص آخر، وتنص المادة الثالثة من قانون كرة القدم لعام 1991 على:

“أن الانخراط أو المشاركة في ترديد هتافات ذات طبيعة غير محتشمة أو عنصرية في مباراة لكرة القدم يعد جريمة”، ثم عدل هذا القانون عام 1999، وأصبح: “لا يشترط الهتافات الجماعية، وإنما ليشمل الهتاف العنصري الفردي”.

كما وفقاً للمادة 2 من نسخة عام 2017 من قانون الفيفا للانضباط: “يُحظر بشكل تام أي نوع من أنواع التمييز ضد بلد أو شخص أو مجموعة من الأشخاص بسبب العرق أو الأصل العرقي أو القومي أو الاجتماعي أو نوع الجنس أو الإعاقة أو الدين أو الرأي السياسي أو الثروة أو المولد”، ومن خلال هذه القوانين فالأكيد أنها لم تكن كافية لردع الأفعال العنصرية والمشينة والبعيدة عن الإنسانية، لذلك لا بد من الفيفا واتحادات كرة القدم التحرك لفرض عقوبات رادعة لمنع تكرار مثل هذه المواقف خلال الفترة القادمة.

العنصرية ليست وليدة اللحظة

لم تكن العنصرية وليدة اللحظة في كرة القدم والرياضات الأخرى إطلاقاً، فلو عدنا بالذاكرة لوجدنا أمثلة عديدة ومواقف عنصرية لا تعد ولا تحصى جرت، وقد تصل تلك المواقف إلى تدمير مسيرة اللاعب:

العنصرية و ماريو بالوتيلي

يعد “ماريو بالوتيلي” أول لاعب أسود في المنتخب الإيطالي في عام 2010، لم يكن لدى ماريو بالوتيلي الوقت الكافي لإبراز قدراته الكاملة في الدوري الإيطالي مع نادي “إنتر ميلان”، إذ أصبح ضحية لإهانات عنصرية متكررة.

ففي العام نفسه، الذي حصل فيه على استدعاء من Squadra Azzurra، تم استهدافه من قبل أنصار نادي “يوفنتوس” خلال رحلة إلى مدينة “توري”، حيث ردد الجمهور الحاضر عبارات عنصرية، على سبيل المثال: “لا يوجد إيطاليون سود”.

مرة أخرى بعد 3 مواسم في إنجلترا، عاد بالوتيلي إلى إيطاليا بألوان ميلان، وتم استهدافه مجدداً، هذه المرة من قبل أنصار نادي “روما”، حتى إن الحكم، في تلك المباراة، قرر وقف المباراة مؤقتاً، وأصدر تعليمات لمذيع الملعب لتهدئة الأنصار، تم استئناف المباراة ولم يستوعب “بالوتيلي” ذلك، حيث صرح:

“كنت أقول لنفسي دائماً إنه إذا حدث ذلك في الملعب، فسأتصرف كما لو لم يقل أحد شيئاً، كما لو أنني لا أهتم، لكن هذه المرة، غيرت رأيي قليلاً، إذا حدث ذلك مرة أخرى، فسأخرج من الملعب، لأن هذا الأمر تافه”.

تزداد الأوضاع سوءاً في إيطاليا، فلم يسلم أي موسم من الأعمال العنصرية في المدرجات، وغالباً ما يتكرر النمط نفسه: أغانٍ عنصرية ضد لاعبين سود، فهناك لاعبون تلقوا إنذارات وطردوا من الملعب بمجرد الرد على هذه الهتافات العنصرية، مثل ما حدث مع الغاني سولي علي مونتاري في مايو 2017.

اللاعب ماريو بالوتيلي

في 2018، تعرض لاعب الكرة القدم السنغالي كاليدو كوليبالي، لصرخات القرود مرات عديدة، خلال مباراة نابولي ضد إنتر ميلان، كما تم طرد اللاعب في الدقيقة 81، بعد تلقي بطاقتين صفراوين في دقيقة واحدة: الأولى لخطأ، والثانية لتصفيق على الحكم بسخرية، ورد اللاعب في نهاية المباراة، على شبكات التواصل الاجتماعي حيث كتب:

“أنا آسف للهزيمة وخاصة للتخلي عن إخوتي، لكني فخور بلون بشرتي، وبكوني فرنسياً، سنغالياً، نابولياً؛ أنا فخور أني رجل”.

في عام 2014، شهدنا حادثة مشينة أيضاً في إسبانيا، حيث قام أحد المشجعين في نادي فياريال برمي موزة على اللاعب البرازيلي السابق “داني ألفيش”، في أثناء تنفيذه لضربة ركنية أثناء مباراة مع فريق برشلونة، كانت ردة فعل “ألفيش” تحمل الكثير من الاستهزاء، حيث قام بالتقاط الموزة وتناولها، ثم استكمل تنفيذ الركلة الركنية، ولكن لم ينجُ النادي المعروف بـ”الغواصات الصفراء” من العقوبة، إذ فُرض عليهم غرامة مالية قدرها 12 ألف يورو.

في 2023، تعرض “صمويل أومتيتي”، مدافع نادي “ليتشي” الفرنسي، وزميله الزامبي “لاميك باندا”، لصرخات عنصرية من جماهير نادي “لاتسيو” روما، فاضطر حكم المباراة التي فاز بها ليتشي (2-1) لإيقافها لحظات قليلة في الشوط الثاني، وذكرت وسائل إعلام إيطالية أن أومتيتي غادر الملعب وهو يبكي في نهاية المباراة، وسط تصفيق حار من جمهور فريقه ليتشي.

في 2006، قرر “إيتو” ترك المباراة في أرض سرقسطة، عندما كان يستعدّ لتنفيذ ضربة ركنية، وقال للحكم: لن ألعب مجدداً، فيما كان الأخير يحاول إقناعه بالبقاء على المستطيل الأخضر، وبعد تدخل أشخاص عدة، عاد “إيتو” واستؤنفت المباراة، وبعدها بعدة أيام، عاقب الاتحاد الإسباني سرقسطة بغرامة بلغت 9 آلاف يورو.

مع الحكم، في عام 2020 حدث موقف عنصري، حينما أثار الحكم الرابع، في لقاء ​باريس سان جيرمان​ الفرنسي و​باشاك شهير​ التركي، مشكلة كبيرة في اللقاء الذي يجمع الفريقين في دوري أبطال أوروبا لكرة القدم.

فما مرت إلا الدقيقة 16 من عمر الشوط الأول حتى توجه حكم اللقاء إلى أحد أفراد الجهاز الفني للفريق التركي ومنحه البطاقة الحمراء، ما أثار حفيظة الفريق التركي الذي يؤكد أن الحكم الرابع توجه بكلام عنصري للوفد التركي. يذكر أن المطرود هو “بيير ويبو” اللاعب الكاميروني السابق، وقرر الفريق التركي عدم استكمال المواجهة ودخل إلى غرف الملابس.

في أبريل/نيسان 2014، واجه الظهير البرازيلي لنادي برشلونة “داني ألفيش” حادثاً مماثلاً في فياريال، فقبل تنفيذ ركنية لفريقه، رُميت موزة باتجاهه، فقرّر تقشيرها وقضمها كردّ على الإهانة، قبل أن يتابع اللعب كأن شيئاً لم يحدث، غُرّم نادي فياريال 12 ألف يورو، وقرّر النادي إغلاق المنصة المعنية للمباراة أمام جماهيره.

موقف آخر للاعب محمد صلاح نجم ليفربول، عام 2019، حيث أقامت الشرطة البريطانية تحقيقاً في فبراير/شباط 2023، بعد ظهور مقطع فيديو لهتافات عدد من جماهير نادي “ويست هام” الإنجليزي ضد محمد صلاح، أثناء تسديده لإحدى الكرات في مرمى فريقهم.

سُجل الفيديو في صفوف مشجعي نادي “ويست هام”، ويظهر فيه صوت أحد المشجعين وهو يهتف ضد محمد صلاح ويقول: “أيها المسلم اللعين، أيها المسلم اللعين الحقير”. وأصدرت الشرطة البريطانية بياناً آنذاك قالت فيه إنها تحقق في الأمر، وتراجع كاميرات المراقبة في المباراة في محاولة للتعرف على أية مخالفات.

قوانين لردع العنصرية في كرة القدم

منذ السبعينيات شهدت قوانين كرة القدم العديد من التعديلات في سبيل مواجهة العنصرية والتصدي لها، ومنها ما سنه “الاتحاد الأوروبي لكرة القدم”، ووفقاً للمادة 2 من نسخة عام 2017 من قانون الفيفا للانضباط، ومن خلال هذه القوانين فالأكيد أنها لم تكن كافية لردع مثل هذه الأفعال العنصرية والمشينة والبعيدة عن الإنسانية.

لا توجد حصانة دائمة ضد العنصرية التي تمارس ضد لاعبي كرة القدم في البطولات المحلية أو بطولات كأس العالم، حتى مع اللوائح التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، بفرض غرامات على الهتافات العنصرية من قبل اللاعبين أو المدربين أو المشجعين ضد الفريق المنافس.

تتوزع المسؤولية تجاه إدانة العنصرية في كرة القدم بين لوائح الفيفا، واتحادات كرة القدم الدولية والمحلية، ولا تستثنى وسائل التواصل الاجتماعي التي توفر مرتعاً خصباً للهجوم العنصري ضد لاعبي كرة القدم دون إدانة قوية وواضحة. في الواقع لم تبدِ الشركات المسؤولة عن منصات وسائل التواصل الاجتماعي مسؤوليتها الكاملة لاستخدام مساحاتها التي تختلط فيها حرية التعبير عن الرأي، بالإهانات العنصرية وغيرها من التجاوزات.

وعليه فإن الرقابة على هذه الوسائل يعهد بها إلى قوانين المعلوماتية الدولية والمحلية، التي تواجهها عقبات أيضاً للوصول إلى أصل الوقائع والتحقق من الأشخاص الذين يرتكبونها تحت أسماء مستعارة.

لذلك لا بد للفيفا واتحادات كرة القدم من التحرك لفرض عقوبات رادعة لمنع تكرار مثل هذه المواقف خلال الفترة القادمة، تكون موجهة ضد كل من يمارس هذا السلوك إن كان مشجعاً، أو صحفياً، أو لاعباً، أو مدرباً، أو أياً كان، فالإنسانية فوق كل الاعتبارات.

أمجد العسة – صحفي وكاتب سوري / عربي بوست

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

مجلس الأمن يفجّر الخلافات الأميركية – الإسرائيلية.. كيف قرأت “إسرائيل” الامتناع عن استخدام الفيتو؟

في اليوم الـ172 للحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة واليوم الـ16 من رمضان، رحبت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بقرار مجلس الأمن الدولي بوقف فوري لإطلاق النار في غزة، وطالبت المجلس بالضغط على الاحتلال للالتزام بتطبيقه "ووقف حرب الإبادة والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
29 + 2 =