لا أحب – التفكير العلمى .. أحب – التفكير العادل

بين كل فترة وأخرى ، تخرج علينا ” الموضات ” الفكرية ، بالضبط مثل الموضات فى الأزياء . وأنا طوال عمرى ، لم تستهوينى أية موضة فكرية …

معلبة ، جاهزة ، صممها آخرون ، يُقال عنهم ” خبراء ” ، ولم يحدث أننى لبست ثوبا حسب تقليعات باريس ، أو روما ، لندن .

كنت ألبس من الأفكار ما يتناغم مع عقلى ، الذى يشك فى كل الأشياء حتى فى نفسه . وألبس من الأزياء ما ينسجم مع قوامى ، وألوانى المفضلة ، وحالتى المزاجية .

أعتبر هؤلاء الخبراء ” كهنوت ” ، يقف وسيطا بينى وبين تأملات عقلى ،

وتفرد قوامى .

من ” الموضات ” الفكرية ، التى لم أقتنع بها ، ولم أحبها ، ولم أقع فى اغرائها الوجيه ، مقولة تتردد على الألسنة ، وكأنها فى مقام النشيد الوطنى ، أو القسم المقدس ، وهى ” أننا لن نتقدم الا بسيادة التفكير العلمى “.

أصبح ” التفكير العلمى ” ، هو الكلمة المفقودة الغائبة ، فى مجتمعاتنا ، التى فى ذيل المجتمعات ، من جميع النواحى .

” التفكير العلمى ” ، هو المفتاح السحرى الذى ينقصنا ، حتى نلحق بالأمم التى سبقتنا ، فى سباق الحضارة .

أولا ، لست مقتنعة بمسألة ” السباق الحضارى ” أصلا . بمعنى أننى أريد أن أتقدم ، وأحسن من أحوالى ، وأرتقى بحياتى ، ليس لأننى فى سباق ، وأريد أن أكسبه ، وألحق بمنْ يسبقنى . ولكن لأننى أرى أن التقدم ، وتحسن الأحوال ، والرقى بحياتى ، من علامات الوجود الانسانى المشرف .

ثانيا ، أنا لا أرى أن ” التفكير العلمى ” ، هو المفتاح السحرى الذى ينقصنا ،للتقدم ، والرقى ، وتحسين الأحوال .

كما أعتقد ، ومقتنعة تماما ، أن ” التفكير العادل ” ، هو الكلمة المفقودة

الغائبة ، لكى يستضيفنا التقدم الحضارى ، ويرحب بنا الرقى الانسانى .

أعتقد أن ما نفتقده ، بل ويفتقده العالم ، هو ” التفكير العادل ” ، وليس ” التفكير العلمى ” ، فى كل مجالات الحياة .

ودعونى أعطيكم هذا المثال للاستشهاد على قناعاتى .

قرأت خبرا فى احدى المطبوعات المصرية ، عن دراسة مصرية حديثة ، بحثت العلاقة بين النساء والجنون. ولا يقول الخبر ، أى جهة قامت بهذه الدراسة . وهذا فى حد ذاته ضد ” العلم ” .

خلصت الدراسة إلى أن النساء غير المتزوجات ، أكثر عرضة للمرض العقلى. وفسرت ذلك على أنه ، نتيجة الشعور بعدم الاستقرار والوحدة ، والغيرة من النساء المتزوجات وافتقاد الدفء العاطفى الحميم.

إنه لشىء مؤسف ، أن تكون البحوث أو الدراسات ” العلمية ” ضد ” العلم ” ، وضد ” المعرفة ” ، وضد الوصول الى ” الحقيقة ” . وقبل كل شئ ، ضد ” التفكير العادل “.

وشىء مؤسف ، أن يتم تفسير نتائج البحوث والدراسات التى تأخذ صفة ” العلم “، فى ظل الإطار الثقافى التقليدى ، وبشكل سطحى ضيق الأفق .

وتكون النتيجة النهائية بعد كم كبير من البحوث والدراسات، أننا لم نتحرك إلى الأمام خطوة واحدة ، وأن القيم المزدوجة التى تفرق بين البشر تزداد رسوخًا، والكارثة أن هذا يحدث تحت رداء ” العلم ” ، و” المعرفة ” ، والوصول الى ” الحقيقة “.

تقول الدراسة أن المرأة غير المتزوجة ، أكثر عرضة للجنون من المرأة المتزوجة، وجاء ” التفسير” ، لأن المرأة غير المتزوجة، كما أوضحنا سلفًا، تفتقد الاستقرار والدفء الأسرى وتشعر بالوحدة وتغار من النساء المتزوجات. لست أشكك فى نتائج الدراسة . لكننى اشير الى طريقة ” تفسير ” النتائج.

إن عدم الزواج ، قد يؤدى إلى عدم الاستقرار ، أو فقدان دفء الأسرة ، أو الشعور بالوحدة . لكن توقف التفسير عند هذا الحد ، يعد قصورًا فكري .

يكمن القصور ، فى إغفال وتجاهل ” مسئولية ” المجتمع ، فيما تشعر به المرأة غير المتزوجة من أحاسيس ” سلبية” ، تضر بصحتها النفسية والعقلية، حيث ثقافتنا العربية مبنية ، على رفض ونبذ واستنكار واتهام للمرأة غير المتزوجة.

لقد تأسست مجتمعاتنا العربية، فكريًا بشكل يجعلها عاجزة عن فهم وتقبل واستيعاب المرأة خارج مؤسسة الزواج، هذا الشكل الفكرى هو ما نسميه ” النمط الذكورى” ، أو ” الثقافة الأبوية ” .

وتتضافر جميع قوى المجتمع فى جبهة محكمة ، لا يمكن اختراقها لترسيخ وإعادة إنتاج الثقافة الأبوية ” الطاردة ” ، للمرأة الوحيدة ، أو المرأة التى تعيش وتواصل التنفس والحركة ، وإثبات أنها على قيد الحياة دون ” ضل راجل “.

منذ الميلاد ، تُربى المرأة على أن الطموح الأعلى والوجود الأهم والسمعة الفاضلة وغاية الحياة ، هى فى دور ” الزوجة ” ثم دور ” الأم “، أى العيش فى كنف رجل يعولها ويحميها ويسترها ، ويحميها من الاضطرابات العقلية والنفسية الناتجة عن عدم وجود هذا الرجل.

وتتضاءل أمام دور الزوجة ، ودور الأم ، أدوارها الأخرى فى التعليم والعمل والإبداع، بل إن المجتمع يجبرها بحكم الثقافة الأبوية على أن تتخلى عن التعليم والعمل والإبداع ، إذا تعارضت مع دور ” الزوجة ” ، و” الأم “.

أما الرجل فيُربى منذ الميلاد ، على أن دوره ك ” زوج ” ، و” أب “، أدوارا هامشى ثانوية ، مقارنة بأدواره فى إنتاج العمل والفكر والفلسفة والإبداع.

إذا لم يتزوج الرجل، قد يفقد دفء الأسرة ، لكنه لا يفقد دفء المجتمع. لكن المرأة غير المتزوجة تفقد الاثنين ، دفء الأسرة ودفء المجتمع.

ويربى الرجل العربى ، على حرياته المطلقة فى اطفاء رغبات جسده ، اذا لم يتزوج ، دون أن يناله أى عار ، أو نبذ أو استنكار ، أو حتى تساؤل مجتمعى . فهذا حقه ، ولا يعيبه ، كما ترسخ الأفلام ، والتمثيليات . بل أنه يصبح الدونجوان ، الذى يتنقل بين النساء ، بكل فخر . وقد يذهب الى بيت دعارة ( فعل مدان ومجرم “، ويدفع الفلوس لاطفاء شهوته . واذا ضبط متلبسا ، من بوليس الآداب ، يؤخذا كشاهد ضد المرأة التى أطفأت العفرتة فى غرائزه ، ولا تناله أى وصمة أخلاقية ، ولا أى عقاب قانونى ، او أى نبذ اجتماعى وثقافى . رجال يٌقال عنهم ” قوَامون ” على النساء ، و” أعلى منهن ” ، ومكتملون العقل والدين ، ولا يستطيعون السيطرة على أعضائهم الجنسية ، الى حد الاستعانة بالمرأة ” العاهرة ” ، ناقصة العقل والدين ، و” الأدنى ” منهم … كيف يتقبل الناس هذا التناقض المقزز ، وهذا

العفن الفكرى ، والفساد الأخلاقى ، المقنن ، المحمى بالشرع ، والقانون ،

والثقافة ؟؟؟؟.

فى ظل هذا الحصار الشرس ، وازدواجية القيم، تحتاج المرأة غير المتزوجة ، إلى قوة خارقة وإلى أسلحة استثنائية ، حتى لا يصيبها اضطراب عقلى أو نفسى.

كما أن القضية ليست الزواج أو عدمه، القضية هى: أى نوع من الزواج ؟. ما غايته وما دوافعه؟ . هناك نساء كثيرات متزوجات ، ومحرومات من الدفء والاستقرار، ويشعرن بالبرودة والوحدة والكبت العاطفى والجنسى ، وهن فى أكناف أزواجهن.

وهل الزواج بالنسبة للمرأة ، يمنح أى ” استقرار ” ، فى ظل الحقوق والسلطات المطلقة المعطاة للرجل وحده ، فى طاعة الزوجة ، وتطليقها متى شاء بمجرد كلمة شفهية ، دون قيود أو مساءلة أو مسئولية ؟؟.

هل يوجد فى الزواج استقرار وأمان للزوجة ، والزوج له حق تعدد الزوجات ، وإذا خان زوجته ، الكل يغفر له خيانته ، لأن العيب دائما فى المرأة . بالتأكيد هى قصرت فى شئ ، وجعلت زوجها ” عينه تزوغ ” .

بالإضافة إلى ذلك ، لا بد من إعادة صياغة معانٍ كثيرة نستخدمها. فـ ” الدفء ” ، ليس مرادفًا لوجود رجل، و” الاستقرار” ، ليس مرادفًا لوجود بيت يحدد وظائف المرأة فى طاعة الزوج وخدمته، و” الوحدة” ليست مرادفًا لحالة إنسان يواجه الكون ، بقدراته الذاتية بمفرده ويحقق طموحاته السابحة ضد التيار.

هناك دراسات كثيرة فى مجال الطب النفسى أثبتت أن المرأة المتزوجة أكثر شعورًا بالاكتئاب والملل وعدم التحقق عن المرأة غير المتزوجة، هناك ظاهرة معروفة فى الطب النفسى اسمها «اكتئاب الزوجات» أو «اكتئاب ربات البيوت»، ويرجع هذا الاكتئاب إلى شعور المرأة المتزوجة بالقهر أمام سلطة زوجها وإلى إحساسها بعدم التحقق وخيبة الأمل والفتور العاطفى والجنسى ( حالة المرأة غير

المتزوجة ).

المشكلة إذن ليست فى الزواج أو عدمه، ولكن فى الإطار الثقافى والاجتماعى والأخلاقى والدينى ، الذى فى ظله تعيش وتتزوج النساء.

المشكلة هى القيم والمفاهيم التى تشكل المجتمع ، الذى تعيش فيه المرأة المتزوجة أو غير المتزوجة، وليس فى الزواج أو عدم الزواج فى حد ذاتهما.

القضية هى أن تتغير تلك القيم والمفاهيم الأبوية ، التى تعتبر الزواج للمرأة ” مصيرًا محتمًا” ، مثل الموت لا فكاك منه وأنه ” أفضل مصير ” يمكن تصوره للنساء .

وفى الوقت نفسه تتغير النظرة الأخلاقية والاجتماعية لـ” عدم زواج” المرأة، فلا يكون مرادفًا للشذوذ أو الوحدة أو الاضطراب العقلى أو عدم التحقق النفسى والإنسانى.

ولا نرى نموذج المرأة غير المتزوجة ، ويطلق عليها ” العانس ” ، فى الدراما المرئية ، فى الأفلام الممتلئة بالسخرية من ” المرأة بدون رجل ” . حتى المرأة نفسها ، يظهرونها على أنها تشعر بالذنب ، والخجل ، لأنها ” لم تتزوج ” ، وأيضا تشعر بالدونية أمام النساء المتزوجات .

” الزواج ” ، وبالتالى عدم الزواج، جزء واحد من أجزاء الحياة ، وليس كل الحياة.. ولذلك لا يجب أن نتوقف عنده ، بشكل مبالغ فيه ، ونعتبر وجوده هو ” الحياة ” كلها .

بالتالى كان يجب على الدراسة ” العلمية ” ، أن تفسر النتائج ب ” التفكير

العادل ” . العلم ، ربما يعطى الظواهر ، ومدى انتشارها . لكن ” التفكير العادل ” ،

يخرج من النمط المستهلك الفاسد لتفسير النتائج ، ويفضح برؤية ناقدة مبدعة ، سيادة ” التفكير العلمى ” الزائف ، الذى يرسخ للأوضاع القائمة القاهرة .

نحن نشجع ” التفكير العلمى ” ، ونشجع ” استخدام الوسائل العلمية ” ، بشرط ألا يسير عكس ” الموروثات ” الثقافية والدينية والذكورية .

لهذا السبب ، لدينا مدارس وجامعات ومراكز بحثية ، تملأ عين الشمس ، تفخر أنها تستخدم ” العلم ” ، و” البحث العلمى ” ، ومطلعة على الجديد منه فى كل مجال . لكننا لا نتقدم فى الرقى الحضارى والانسانى .

” مش مهم العلم ، المهم الشخص اللى ورا العلم ” .

علم بدون عدالة ، من الأفضل أن ” نبله ونشرب ميته ” . علم بدون عدالة ، مكانه هو سلة المهملات . علم بدون عدالة ، ضياع للوقت والجهد والحقيقة والفلوس.

علم بدون عدالة ، أنتج الديناميت وأسلحة الدمار الشامل والقنابل النووية ، وتمويل المنظمات الدينية الارهابية . علم بدون عدالة ، أنتج كماليات ترفيهية لا نحتاج اليها حقا ، وهناك ضرورات الغالبية محرومين منها . علم بدون عدالة ، تبرير وتقنين وترسيخ ، للتردى الحضارى اللانسانى .

لست أدرى ، ما العلم الخطير الهايل الحديث ، الذى نحتاجه لتوفير علاج صحى آمن للفقراء فى القرى والمدن ؟؟؟.

وما هو ” التفكير العلمى ” ، الفظيع الذى ينقصنا ، لننتج ما نأكله دون معونات ، وتبعية ؟؟.

وما هو ” التفكير العلمى ” الغائب ، حتى نلغى طاعة المرأة للرجال ، فى البيت ، وفى الدولة ؟؟. ونلغى الضوضاء ، وخانة الديانة ، والمادة الثانية من الدستور ؟؟.

وما هو ” العلم الحديث ” الذى نفتقر اليه ، لتنظيف الشوارع من القمامة ، وتنظيف عقولنا من الأوهام ، والخرافات ، وكراهية الحرية ، والكذب ، والجشع ، وحب التسلط والتملك ؟؟.

وما ” العلم ” المفقود ، لردم ترعة ، أو تغطية سلك كهرباء عار ، يقتل البشر ، صغارا ، وكبارا ؟؟.

” بيزنس ” كبير مربح ، اسمه ” التفكير العلمى ” ، كل عصر يظهر بموضة مختلفة اللهجة والشكل .

لكنه لا يخدعنى . لأننى دائما ، ومنذ بدأت أتأمل وأفكر ، وأنا أحب ” التفكير العادل ” ، وليس ” التفكير العلمى “.

منى حلمي

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

تدمير مزدوج للدولة وللمجتمع المدني

أدت الحروب والتمزقات التي شهدتها وتشهدها بلدان عربية مفصلية: العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، فضلاً عن تلك البلدان التي لم تسلم من شظايا الانفجارات الجارية حولها، إلى تضعضع وضعف، وحتى انهيار، الدولة الوطنية في تلك البلدان، على الأقل من زاويتين رئيسيتين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Solve : *
16 + 9 =