الإرهابُ الديني وكارثةُ تسويغه—تحليلٌ تأصيليٌ وسايكولوجيٌ لأزمةِ العقلِ الإسلامي

الجابري في قِراءتِهِ النقديةِ للعقلِ العربي في مشروعِه الفكري (نقدُ العقل العربي) كان قد حاولَ عصرنةَ هذا العقلِ الذي ما فَتئ يعاني من التحجر الفكري، والانقيادِ الوجداني، وعدم الاستقلاليةِ بسبب استناده على المنصوصِ والموروثِ حتى في قضاياه السياسية..

الجابري في قِراءتِهِ النقديةِ للعقلِ العربي في مشروعِه الفكري (نقدُ العقل العربي) كان قد حاولَ عصرنةَ هذا العقلِ الذي ما فَتئ يعاني من التحجر الفكري، والانقيادِ الوجداني، وعدم الاستقلاليةِ بسبب استناده على المنصوصِ والموروثِ حتى في قضاياه السياسية. وبعيداً عن اختلافي مع الجابري في مسألةِ إحالةِ استقالة العقلِ في الإسلام لمسبباتٍ خارجية، واختلافات هامة أخرى لا تَشمل هذا الموضوع، لكن الأوْبَة إلى المحاولات الفكرية التي تبتغي فهم تركيبة العقل الإسلامي -وليس العربي فقط- تعدُ واجباً إن كنا نود اليومَ التحكم في حدةِ التعصبِ الإيديولوجي ومعالجة أزمة هذا العقل الذي لا يزال متوعكاً، تبيعاً، نابذاً لأدوات التفكير النقدي. لذلك قمتُ هنا بعملٍ تحليلٍ تأصيليٍ من أجل أن أتتبع نشأة الموروث الإسلامي وما طرأَ عليه من تغيرات.
بعدَ المرحلة الأولى التي انبلجَ فيها الفكرُ الإسلامي والتي اتسمتْ باعتمادها على نشره ومقارعةِ من عاداه، أهلَّتْ مرحلة علم الكلامِ الذي نشأتْ كحركةٍ مضادةٍ للمبتدعة، لكنها اقتصرت فقط على الأخذ بما هو نقلي ومن ثم إيجاد الحجةِ والمطيَّةِ من أجل عقلَنَته. ثم لحِقَ ذلك ظهور المعتزلة الذين وضعوا الأولوية للوعي على الوحي، وللفِطنة على المُهجة، وللنقد على النقل، فشهد العهد العباسي الذي أخذ بهذه المنهجية أجْدى مراحل التمدُّن الحضاري الإسلامي بكل ما شهده من نَهْضَةٍ على الصعيد العلمي والفكري. لكن التفنيد الذي استهدف فكر المعتزلة تم حينما أسقطوا الحرية من منهجيتهم بفرض أفكارهم، وحينما تمادوا في اقتحام شؤون الدولة الإدارية. فمهما بلغتْ كِياسَةُ فكرهم العقلاني لكنه يظل منهجاً عَقَدياً لا سِياسِياً.
إن المرحلةَ التي تلتْ ذلك -والممتدة إلى اليوم- هي مرحلةُ تغييبِ الفكرِ في مقابلِ تَمْتِينِ العاطفة. لكن وُعُورة هذه المرحلة تنعكسُ في أنها لم تقتصرْ على العقيدةِ بل أقحمتها في كل شؤون الحياة. فلم يعد المسلم يتقبلُ التفكيرَ النقدي في تناول مشاكله، حتى الشخصيةُ منها والسياسية، بل يتعاملُ بالعاطفة كالغضب والشِدَّة، في حين يَعُدُّ كلَّ مفكرٍ كافراً وكل منتقدٍ عدواً. إن الأزمةَ التي يمر بها المسلم هي أزمةُ عقل، وهذا التعنيف والإنفلات الانفعالي الناتج عن سقوط المنطق ينعكس على كافة الجوانب الحياتية؛ فالنقد المُستَنْكَر من قِبل المتدين هو نفسه النقد المُستنكَر من قِبل الساسة منهم، والإرهاب الديني يتزامن مع وجود التعنيف الأسري والإرهاب السياسي.
على الصعيدِ النفسيِّ فإنني يمكنُ أن أستنتجَ واحدةً من مسببات هذا الشَظَفِ الفكري، وهو الفجوةُ المتباعدةُ بين ثقافة المسلم المتعصب وبين غيره. فالإسلام لدى المسلمين كافةً ليس مجردَ دينٍ بل طبيعة، وهو الهوية الأولى قبل اللغة والدولة. أما المتطرف فإنه يتُوَلَّدُ ضَغْطٌ لديه عند الدأب بُغية تفهم وتقبل أسباب الاختلاف العَقَدي يقوم بالتَّفريجِ عنه بالعنف أو بتبرير ارتكابه، مُتعامياً عن تلك السمات البايولوجية والنفسية التي يتشاركها مع غيره، فالأولوية لديه أن تكون مسلماً قبلَ أن تكونَ إنساناً.
إن الغضب الحادث هذه الأيام من الرسوم المسيئة، وعلى صعيدٍ نفسي، لا يتصلُ بالإساءة للإسلام؛ فأقصى درجات التبْشيعِ الفِعلية أتتْ بها الجماعاتُ التكفيريةُ من تصرفاتٍ همجيةٍ متكررةٍ اسْتَحدَثَتْ ثقباً يصعب ترميمه في سمعة الإسلام وربما للأبد، لكن يظلُّ أفرادُ هذه الجماعاتِ عربٌ أو مسلمون (أي منهم وفيهم) لا كالغربي الذي ما أن يأتي بشيءٍ، مهما بلغ نَزَقُهُ وتفاهته، حتى تُستثار عقدة الدونية لدى المتطرف، فيخال إليه بأنه ودينه مستضعفان في الأرض. إن الإجْحافَ والشَطَط الذي يعاني منه المسلمون في الهند والشيشان والصين، والتفزيعِ الذي يشهدُهُ السوريون والعراقيون وكافةَ المجتمعات بسبب التنظيمات الإرهابية هي الأزمات الأكبر التي تستدعي أن يتمَ التعاطي معها بالمنطق عن طريقِ وضعِ حلولٍ براغماتية، لكن ذلك يتطلب تفكيراً وتوظيفاً للنُهيَة وهو ما تعجز عنه الكيانات العربية. في المقابل فإن السخرية وكل ما يستهدفُ تأجيجَ المشاعرِ يجد إقبالاً واسعاً من أمةٍ تتفننُ في لفظِ عاطفتِها.
إن العاطفة الدينية تعمل على إقصاء العقل من المعادلة الوجودية، فتحوِّل المتديِّنَ إلى كائنٍ همجي يستخدم أدوات الإِبَادة والإِبَارة عوضاً عن الرزانة والإتزان، وإنني سبق وأن ذكرت في عددٍ من المناسبات بأن ترميم العقل العربي لا يتم إلا من خلال إحداث ثورةٍ فكريةٍ تعمل على الجانب النفسي من أجلِ إعادةِ تشكيلِ مفهوم الهوية لتختزلَ الفجوةَ الحالية، وتقومُ بمُفَاتَلَةِ التبعيةِ والنقلِ في مقابل الاستقلاليةِ والتجديد، حتى يتعلَّمَ العقل الإسلامي المُتطرف أن يُخصِّصَ الأولويةَ للإنسانِ على الدينْ.

لينا صلاح الدين

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

هل من بديل روحي للدين؟

سؤال قد يكون غريب ليس لفرضه فقط بل لمنطقه أساسا حينما نعلم أن الدين هو جزء من المعرفة وضمن مصاديق المعنى التداولي للمعرفة بأنها نتاج الوجود العاقل في الوجود , الحقيقة مثل هذه الأسئلة والافتراضات تجنح بنا نحو العقل المصنوع والمهيأ لأن يقبل كل الأفتراض حتى فهم الجنون على أنه شكل من أشكال التعبير وحالة من حالات الإنسان المفكر الطبيعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Solve : *
28 − 27 =