يرحم الله الرحماء.. فلنكن رحماء.. عن المغرب وليبيا نتحدث

لم يمضِ يوم واحد على الزلزال المريع الذي ضرب المغرب في العاشر من سبتمبر العام الحالي 2023 والذي وقع ضحيته الآلاف من الضحايا.. حتى فوجئ العالم بخبر سيلٍ جارف ضرب ليبيا وخلّف بدوره الآلاف من الضحايا والمنكوبين.

ولا يسع المشاهد الذي يشاهد المناظر المريعة للنكبة التي حلّت بالبلدين العربيين الشقيقين إلا أن يبكي لهول المشاهد والآلام والدموع في هذين البلدين المنكوبين.

وقد ضجت شاشات التلفزة المحلية والعالمية وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي بصور وفيديوات تصوّر الحجم الكبير للكارثة التي حلّت بهذين البلدين الشقيقين حتى أنّ هذه المشاهد لهولها قد يظن المشاهد للوهلة الأولى أنها مركّبة وليست بحقيقية حتى أنّ بعض وسائل الإعلام الغربية كالبي بي سي البريطانية كان لها برامج مطوّلة تقوم فيها بتحليل وتمحيص هذه الفيديوهات التي وصلتها مباشرةً من أرض الحدث في ليبيا تحليلاً اعلامياً مفصّلاً خبيراً وذلك لنفي أي شبهة حول حقيقة هذه الفيديوهات والمشاهد.

وأنا أشاهد هذه البرامج المباشرة والدقة في التحليل والبحث والاستقصاء عن حقيقة الخبر لم يسعني الا أن ألتفت وأتذكّر الماضي القريب وربما الحاضر والدور الكبير للتضليل الإعلامي وخصوصاً على مواقع التواصل الإجتماعي والذي وقع فيه الكثير من الناس في منطقتنا في الأعوام الماضية وما زال مسلسل التضليل الإعلامي المشبوه مستمراً الى الآن. وهذا ما أدى الى وقوع الكثير من الفتن والحروب في منطقتنا ليس أولها ما سمّي ب ” الربيع العربي” و ما حصل فيه من “ثورات” عربية مشبوهة وما ادّت إليه هذه الثورات الغير هادفة والمشبوهة المصدر والقيادة وخصوصاَ بعدما رأينا بأم العين ما أدّت إليه من تدمير مقصود وممنهج لكيانات وجيوش هذه الدول وما زالت نتائج هذه الفتن والحروب التدميرية ماثلة أمامنا إلى اليوم من سرقة موارد هذه الدول من قبل الدول الامبريالية المنتفعة والتي كانت هي المؤجج الأساس والرئيس لهذه الثورات الخرقاء ! وليس آخرها طبعاً ليبيا الدولة التي أصبحت أرضاً ممزّقة بالكامل تحكمها حكومتان ويتقاسمها ويتقاسم ثرواتها أصحاب النفوذ والمصالح من الدول المستعمرة والمستقوية.

وقد وصل التمزق والتشرذم بهذه الدولة حداً كبيراً أن قناة البي بي سي أشارت في معرض تحليلها للفيديوهات التي وصلتها من موقع الكارثة إلى أنها لا وجود لها هناك أبداً وأن لا مراسلين لديها في تلك المناطق بسبب التمزق وانتشار اللاشرعية في ذلك البلد تحديداً وأنها تقوم بتحليل وتمحيص هذه الفيديوهات بسبب هذا النقص الميداني.

وبغضّ النظر عن هذا الموضوع الشائك والمؤلم والذي يشعل النار في قلب كل مسلم وعربي شريف على ما آل إليه حال بلادنا من تمزق وتشرذم ونكبات نتيجة تلك المؤامرات الدولية الطامعة بثروات هذه المنطقة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهذا نفسه يحتاج إلى صفحات ومقالات، بغض النظر عن ذلك أحببت في مقالتي هذه أن أشير إلى أولية كبرى وواجب أخلاقي وانساني وهو أهمية التعاضد والتآزر في هذه المحن والكوارث وخصوصاً في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية والتي ما زالت الحمية والمروءة موجودة فيها، ولله الحمد. هذا التعاضد والتآزر بين الناس هو ما يحفّز عليه الدين الإسلامي الحنيف الذي حضّ على مساعدة الناس ومؤازرتهم في النكبات والمحن.

ففي حديث صحيح متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:

“مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى.”

في هكذا مصاب جلل وكارثة كبرى يجب على كل مسلم أينما كان أن يمدّ يد العون لأخيه المسلم ولأخيه الإنسان ولكل إنسان مهما كان دينه ومذهبه في محنته وهذا ما حضّ عليه ديننا الحنيف.

منازل ومباني بأكملها غمرها السيل الجارف في ليبيا ومنازل ومباني كانت عامرةً للأمس تهدّمت فجأةً بفعل الزلزال على رؤوس أهلها في المغرب وتهدّمت وانجرفت وإمّحت عن وجه الأرض بفعل السيل الجارف في ليبيا! كارثة إنسانية بكل ما للكلمة من معنى! أكثر من 3000 قتيلاً في المغرب وأكثر من 5300 قتيلاً في ليبيا ويتوقع أن يصل عدد الشهداء إلى عشرين ألفاً في ليبيا وحدها إن لم يكن أكثر أما الجرحى والمنكوبين والمفقودين فحدّث ولا حرج.

ما زال البحر يلفظ جثث الموتى التي جرفها السيل في ليبيا المنكوبة وما زالت فرق الإنقاذ تحاول انتشال جثث من قضوا تحت ركام منازلهم . حقاً إنها كارثة إنسانية كبرى بل لعلها الأكبر في العالم في عصرنا الحالي. وماذا يمكن للإنسان ان يفعل ؟! وكيف يمكن للإنسان أن يتفاعل مع هكذا حدث؟! لا يمكن لأي إنسان فيه نذرٌ يسير من الإنسانية أن يقف صامتاً ساكناً متفرّجاً في هكذا موقف بل يجب التحرك بأقصى سرعة وبذل كل جهد وكل ما أمكن في سبيل إيصال المساعدات الإنسانية للمنكوبين في البلدين الشقيقين فمن كان قريباً من تلك الأمكنة المنكوبة وجب عليه المباشرة بالفعل بأن يقوم بالمساعدة الميدانية بيديه إن استطاع وبالمعونة بالمال وتأمين المنامة والطعام والإمداد الطبي والدوائي للعوائل المنكوبة. ومن كان بعيداً من الناس ولا يستطيع الإعانة والمباشرة بالإغاثة الميدانية للجرحى والمنكوبين يجب عليه وعلى قدر الإستطاعة طبعاً إرسال المعونات عينية كانت أم مادية مالية للعائلات المنكوبة من أهلنا في المغرب وليبيا.

كما يجب العمل على تشكيل فرق عمل ميدانية تقوم بأعمال الإغاثة هذه وخصوصاً في المناطق المنكوبة كليبيا حيث لا يوجد حكومة موحّدة وقائمة وحيث اللانظام هو سيد المكان.

رحم الله الموتى وشافى الجرحى وأعاد كل مفقود إلى أهله ولتكن رسالتنا رسالة رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه وآله وهو رسول الرحمة ورسول الإنسانية وهو القائل روحي فداه : إنّما هي رحمةٌ يجعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

فلنكن رحماء!..

د. أماني سعد ياسين – كاتبة لبنانية

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

الرد والرد المضاد.. كيف تلعب إيران وإسرائيل بأعصاب العالم؟

حبس العالم أنفاسه بعدما أصبح الشرق الأوسط قاب قوسين مما يشبه حربا عالمية ثالثة، قد دفع بالمنطقة لمستقبل غامض. غير أن هجوم الجمهورية الإسلامية ورد الدولة العبرية ظلا لحد الآن في حدود "المتوقع" وفق معلقين ألمان وأوروبيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
6 × 26 =