الجزائريون في انتظار العهدة التنموية لتبون

الجزائريون فقدوا الثقة في أي خطاب سياسي ولا يقنعهم إلا ما يلمسونه بأيديهم فقد استنزفت بلادهم على مدار عقدين مليارات الدولارات وانتهت إلى ما انتهت إليه.. بلد متدهور وشعب ثائر.

تتحدث التسريبات في قطاع المالية الجزائرية عن توجه الحكومة إلى إعداد قانون موازنة تكون أضخم من موازنة العام الجاري، لتبلغ حوالي 110 مليارات دولار، وهو سقف غير مسبوق في تاريخ الموازنات السنوية في الجزائر، ولو أن المسألة تتم بعجز تاريخي أيضا يحوم حول 50 مليار دولار، فإن ما يهم الشارع هو انعكاس ذلك على حياته اليومية، وما عدا ذلك فهو غير معني به.

وبالمقابل هناك خطاب وتعهدات للسلطة بدأت منذ العام 2020، عندما شرعت في ترويج أن العام الموالي سيكون عام الإقلاع الاقتصادي، لكن مرت الأيام والسنوات ولم يقلع الاقتصاد الجزائري، ويكاد الرئيس تبون يقفل ولايته السياسية، دون أن يباشر ولايته التنموية إلى حد الآن.

وتحدثت منذ أيام برقية لوكالة الأنباء الرسمية عن فضائل “الجزائر الجديدة بقيادة الرئيس عبدالمجيد تبون على الجزائر والجزائريين، وبشرت بين سطورها بنهضة اقتصادية وتنموية واعدة، لكن القارئ يكمل البرقية ولا يعثر إلا على مشروع بدأ الحديث عنه منذ ثلاث سنوات، لكن ولا لبنة أساسية وضعت له.

ويتعلق الأمر بخطّ سكة حديد وقطار سريع يربط العاصمة في أقصى الشمال بمدينة تمنراست في أقصى الجنوب على مسافة 2000 كلم، على أمل أن يصبح المسافر يقطع المسافة في ظرف عشر ساعات، بعدما كان يقطعها في 24 ساعة برا وساعتين جوا.

للتنمية قواعد، فإما أن تنطلق شاملة فتظهر بواكيرها للجميع، أو تبدأ قطاعية فتبعث الأمل في نفوس الذين ينتظرون، وعدوها هو سوء التخطيط والاستشراف والتأخير

وأعطت البرقية الانطباع بأن المشروع سيكون نسخة مكررة لما فعلته السكة الحديد في اكتشاف أراضي الولايات المتحدة الأميركية خلال القرون الماضية، حيث كانت السكة والمحطة حافزا على بناء وتعمير المدن ودفع عجلة الاقتصاد والخدمات، وذلك شدد على إبراز تعويل الحكومة على مشروع قطار العاصمة – تمنراست لاكتشاف الصحراء وتعميرها وتحسين الخدمات فيها.

لكن المشروع إلى حد الآن لم يتعد حدود الفكرة أو التصاميم والدراسات الأولية على الورق، ولا أحد يعلم متى يبدأ ولا متى ينتهي ولا متى تنتهي معاناة الربط والتنقل بين طرفي البلاد، ولا كيف يتم تمويل هذا المشروع أو كلفته الإجمالية، خاصة وأن تجربة الطريق السيار شرق – غرب، في عهد الرئيس الراحل عبدالعزيز بوتفليقة، بدأت بسبعة مليارات دولار وانتهت بعشرين مليار دولار بحسب بعض البيانات.

انقضى السداسي الأول من العام الجاري الذي ضخت له الحكومة موازنة المئة مليار دولار، وما عدا زيادات رواتب ومعاشات ومنحة بطالة وتحويلات اجتماعية لدعم المواد الاستهلاكية الأساسية، فإن الأمر عند الفرد الجزائري سيان بين العام الجاري أو العام الذي قبله أو الذي يليه، ما دام التضخم والغلاء يأكلان مقدراته، ودائرة الفقر تتوسع والبطالة تنتشر والخدمات تتدهور والأفق يزداد ضبابية.

وأبرز دليل على ذلك، أن الموازنة التي ضخت بشكل لافت في حسابات المؤسسة العسكرية والداخلية والوظيفة العمومية، لم تترك مجالا للاستثمارات العمومية التي تعد قاطرة الاقتصاد المحلي، وحتى المؤسسات الحكومية والخاصة العاملة تعرضت لأضرار كبيرة نتيجة التضييق على نشاط الاستيراد من المواد الكمالية إلى المواد الخام التي تدخل في صميم نشاطها.

لذلك وجد الرجل الأول في الدولة نفسه في احتفالية ذكرى الاستقلال الوطني أمام لا شيء يتباهى به أمام الأنصار وعموم الجزائريين، عكس أسلافه الذين كانوا يستغلون فرص الأعياد والمناسبات الوطنية، لاستعراض إنجازاتهم ومكاسبهم بهدف زيادة مؤشرات شعبيتهم.

وإذ الحكومة تتجه إلى إعداد موازنة تصحيحية خلال هذه الصائفة، بدل أن تصارح الجميع بموازنة إضافية كما جرى عليه التقليد، فإنها لا تريد أن تظهر أمام الجزائريين بأنها حكومة قاصرة لا تستطيع التخطيط والاستشراف لأكثر من ستة أشهر، والأدهى من ذلك ليس لمواجهة المشاكل الطارئة، بل لضبط الكتلة المالية المخصصة لزيادة الرواتب والمعاشات ومنحة البطالة.

هناك خطاب وتعهدات للسلطة بدأت منذ العام 2020، عندما شرعت في ترويج أن العام الموالي سيكون عام الإقلاع الاقتصادي، لكن مرت الأيام والسنوات ولم يقلع الاقتصاد الجزائري

الجزائريون فقدوا الثقة في أي خطاب سياسي ولا يقنعهم إلا ما يلمسونه بأيديهم، فقد استنزفت بلادهم على مدار عقدين رقما خياليا من مليارات الدولارات، تضاربت التقديرات بشأنها بين 1200 و1500 مليار دولار، وانتهت إلى ما انتهت إليه، بلد متدهور وشعب ثائر وسلطة تبحث عن تغيير بشعارات سياسية سمجة، ولذلك فهم يحملون الآن خوفا مضاعفا من تكرار التجربة. فأن تتغنى السلطة والساسة والإعلام السابح في فلكها بموازنة تاريخية هذا العام أو العام الموالي فإن العبرة بالنسبة إليهم الآثار والانعكاسات على حياتهم اليومية.

ولعل برقية وكالة الأنباء الرسمية، التي كشفت ارتفاع التعداد البشري للبلاد إلى 60 مليون نسمة خلال العام 2030، تكون قد أزاحت الستار عن حجم التحديات الحقيقية التي تحتم على السلطة مراجعة أوراقها، لأنه بعد سنوات قليلة ستكون البلاد أمام منعطف حاسم فإما الانتصار وإما الانكسار.

وأبرز تلك الأوراق هي العودة إلى التوازن بين التجهيز والتسيير في إعداد موازنات الدولة، والتحلي بالبراغماتية والواقعية الاقتصادية بدل الخطاب السياسي الشعبوي، لأن تحقيق الأمن الغذائي والمائي ولو نسبيا لستين مليون جزائري العام 2030 سيكون إنجازا كبيرا لأي سلطة تحكم البلاد.

وكما جاء في القول الجزائري المأثور “من عشاؤه قمح مغلّى عليه أن يبدأ المضغ باكرا”، لأن العملية تتطلب وقتا من أجل الوصول إلى حالة الشبع، وكذلك من أجل الوصول إلى ذلك النوع من الأمن، فإن السلطة مطالبة بأن تفكر جيدا قبل أن تنفق أي دولار، فدولار اليوم قد يكون لا شيء غدا، وإذا لم يصرف في مكانه الحقيقي فهو تبذير وتبديد.

للتنمية قواعد، فإما أن تنطلق شاملة فتظهر بواكيرها للجميع، أو تبدأ قطاعية فتبعث الأمل في نفوس الذين ينتظرون، وعدوها هو سوء التخطيط والاستشراف والتأخير، ولذلك لا مجال لتكرار الفشل والشعبوية، فعلى سبيل المثال أطلقت التغيرات المناخية أول إنذاراتها، والماء والغذاء والكهرباء هي التعريف الجديد للاستقلال في المدى القريب.

صابر بليدي – صحافي جزائري / العرب

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

تنهيدة.. ليبيا إلى أين المصير أو إلى أين المفر؟

الحرب الجارية الآن في غزة ليست كقبلها من الحروب العديدة الفلسطينية والعربية X الإسرائيلية، لا في منطلقها، ولا في جغرافيتهH، ولا في أطرافها (شعب X دولة)، ولا في اصطفافات دول المنطقة والعالم، ولا في تداعياتها القريبة، ولا في نتائجها الأبعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
4 × 23 =