تدمير مزدوج للدولة وللمجتمع المدني

أدت الحروب والتمزقات التي شهدتها وتشهدها بلدان عربية مفصلية: العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، فضلاً عن تلك البلدان التي لم تسلم من شظايا الانفجارات الجارية حولها، إلى تضعضع وضعف، وحتى انهيار، الدولة الوطنية في تلك البلدان، على الأقل من زاويتين رئيسيتين.

أولى هاتين الزاويتين هو عجز السلطة المركزية عن بسط سلطتها على كامل التراب الوطني الذي منه تتشكل الدولة المعنية، حيث أصبح الكثير من أراضي هذه الدول تحت هيمنة وتسيير ميليشيات محلية وخارجية، كلها ذات طابع مذهبي أو مناطقي من لون واحد.

أما الثانية فهي تمزق النسيج الوطني لهذه الدول، الذي لم يكن التنوع عائقاً دونه فيما مضى، وإنما على العكس كان عامل إثراء خلاق له، قبل أن يجري تفكيكه، ورده إلى تكوينات فرعية متنافرة، متصارعة، وحتى متحاربة بقوة السلاح.

أدى هذا إلى إعاقة عملية ترسيخ بنية الدولة الوطنية العربية التي قطعت شوطاً لا يصح الاستهانة به، وثمة إشارة للدكتور سمير أمين بهذا الخصوص يتوقف فيها أمام منجزات ما وصفه ب «المرحلة الوطنية» من تاريخ الدولة العربية الحديثة من خلال استراتيجيات التصنيع والإصلاحات الاجتماعية، كالإصلاح الزراعي وتوسيع نطاقات التعليم، ما نجم عنه تعديل توزيع الدخل وتوسيع قاعدة الطبقات الوسطى، وهو ما أضفى تماسكاً اجتماعياً أتاح للمجتمع تبنيه لمشروع التحديث المجتمعي.

لكن ليس هذا هو الوجه الوحيد للتدمير الذي نعيشه، فتدمير الدولة الوطنية يؤدي بدوره إلى تدمير المجتمع المدني، كون نشأته وثيقة الارتباط بنشوء هذه الدولة الوطنية، حتى لو كان دوره يختلف عن دورها، حد المعارضة الجذرية لها أحياناً، لكن ما إن تنهار الدولة حتى يفقد المجتمع المدني، من حيث هو مؤسسات أهلية حديثة، الفضاء الذي يتحرك فيه، لأن البلد بكامله يرتد إلى عصبيات تقليدية، محافظة لا بل ورجعية، سابقة لقيام الدولة ومعيقة لديناميات ترسيخ بنية الدولة ونفوذها.

كل الدول التي هي اليوم ضحية الحروب والاقتتال، وبدون استثناء، فقدت دور مجتمعها المدني الحديث المستقل، أو في أحسن تقدير اضمحل وانكمش هذا الدور في أضيق النطاقات، ففي الحروب تختلف الأولويات كلية، حين تختفي مهمة البناء أمام منطق التدمير، الذي يراه كل طرف من أطرافها، ضرورياً لإلحاق الهزيمة بالخصم، غير آبه بحجم الخراب الذي ينجم عن ذلك، لا على صعيد تدمير المدن والبلدات وحدها، وإنما تدمير نسيج المجتمع نفسه.

علينا أن نتخيل الآن ثقل المهام الماثلة أمام الشعوب بعد توقف الحروب، وهو أمر سيحدث آجلاً أو عاجلاً، حين يتعين لا إعادة بناء الدولة المركزية المنهارة وحدها، وإنما أيضاً ترميم أو إعادة بناء المجتمع المدني المنهار هو الآخر.

حسن مدن

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

الرد والرد المضاد.. كيف تلعب إيران وإسرائيل بأعصاب العالم؟

حبس العالم أنفاسه بعدما أصبح الشرق الأوسط قاب قوسين مما يشبه حربا عالمية ثالثة، قد دفع بالمنطقة لمستقبل غامض. غير أن هجوم الجمهورية الإسلامية ورد الدولة العبرية ظلا لحد الآن في حدود "المتوقع" وفق معلقين ألمان وأوروبيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
38 ⁄ 19 =