درس المهدي المنجرة في التنمية

ما زال درس عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة، في التنمية، يسائل بكل قوة دول الجنوب -ونحن منها- حكومات وأحزاب سياسية وكل ذوي القرار السياسي. ويتضمن هذا الدرس محورين أساسيين: مفتاح التنمية، والشروط اللازمة التي من دونها لن تتمكن دول الجنوب من تحقيق الانطلاقة الفعلية نحو تحقيق التنمية المستدامة.

المحور الأول: مفتاح التنمية

حينما كانت دول الجنوب، مثل باقي دول العالم، تستعد لولوج الألفية الثالثة، أعاد عالم المستقبليات الدكتور المهدي المنجرة (رحمه الله) طرح موضوع التنمية بنظرة مستقبلية، وكأنه كان بذلك ينذر دول الجنوب بالمزيد من اجترار التخلف والتبعية للخارج في حالة عدم تجاوز معيقات التنمية فيها.

وفي هذا الصدد، أكد (رحمه الله) في 1996 بمناسبة حديثه عن “حوار التواصل” وهو الذي شكل أول كتاب في سلسلة “شراع” التي كان يشرف على رئاسة تحريرها الإعلامي المتميز خالد مشبال (رحمه الله)، على دور التكنولوجيا المتطورة في التنمية، مبرزا أن الإعلاميات تمثل أكثر الأدوات التي اخترعها الإنسان فعالية في إعانته على تحليل المشاكل وإيجاد الحلول لها.

وأثار الانتباه إلى أنه بعد فترة قصيرة من نهاية تسعينيات القرن الماضي، ستصبح الإعلاميات والإعلاميات الموصلة، جزءا لا يتجزأ من جميع النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والتربوية. وأنه حتى قبل نهاية القرن العشرين، سيكون غالبية الطلبة الذين أنهوا دراستهم الثانوية، وتقريبا جميع خريجي المدارس التقنية والجامعات عبر العالم، قد ألفوا استعمال الحواسب وبنوك معطيات الاتصال عن بعد، وأنظمة المعلومات.

وأكد هذا العالم أن المعارف الإعلامية، ستحدث تغييرات عميقة في البنيات الذهنية وأنماط التفكير وسيرورة اتخاذ القرارات في جميع مجالات الحياة. وتنبأ بأن هذا التحول التكنولوجي العميق سيزداد حدة عند منتصف العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين.

وقدم المهدي المنجرة مجموعة من المعطيات الرقمية التي توضح الدور الكبير للتكنولوجيا المتطورة المجسدة آنذاك في الإعلاميات والإعلاميات الموصلة، في تحقيق التنمية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

تزايد طاقة معالجة المعلومات المعبر عنها بالسنتيميتر مكعب، وبلوغها مليار مرة على مدى 30 عاما. وفي المقابل انخفاض التكلفة، إذ في 1952 كانت (1) مليون عملية تستغرق 10 دقائق وتكلف 300 دولار أمريكي. أما في سنة 1982 فقد أصبح يكفي نصف ثانية لإنجاز القدر نفسه من العمليات (أي 1 مليون عملية)، فيما لم تتعد التكلفة , 060 سنت أي 30000 مرة أقل. (ولنا أن نتصور اليوم التطورات الخيالية لهذه المعطيات الرقمية).

ويتجلى مضمون رسالة المنجرة الموجهة إلى دول الجنوب في ثلاث توصيات:

– أن التنمية في ارتباط متزايد مع معالجة المعلومات والمعرفة، أي قطاع خدمات الإعلام والتربية والمعرفة. وهذا قطاع كان يمثل حسبه في نهاية القرن العشرين ما يقارب 55 بالمائة من الناتج الداخلي الإجمالي ومن فرص الشغل في البلدان المصنعة.

– وأن مجتمع المعلومات، من ناحية، أقل اعتمادا على الموارد الطبيعية، وإجمالا لا يقلل من أهميتها الاستراتيجية. ومن ناحية ثانية، يسلط الضوء على الموارد البشرية التي صارت أكثر أهمية من ذي قبل. إنه يضخم طاقتها ويضاعف إنتاجيتها.

– وأن أولئك الذين يرومون اختصار الطريق أو يحاولون الالتفاف على طرقات الموارد البشرية والبحث والتطوير والملاءمة الاجتماعية والثقافية، سينتهي بهم الأمر لا محالة إلى متاهة التخلف والتبعية للخارج.

وعلاقة بكل ما تقدم وغيره كثير، لم يخف المهدي المنجرة اقتناعه بأن التكنولوجيا الجديدة هي المدخل الحقيقي للتنمية وذلك من خلال قوله: “أنا أؤكد، ولست الوحيد في ذلك، أنه لن يتأتى لبلد ما من البلدان استيفاء حاجياته الأكثر إلحاحا إلا بمساعدة التكنولوجيا الجديدة في مجال الإعلاميات (…)”.

لكن، لن تتحقق هذه التنمية إلا إذا توفرت الشروط الضرورية لذلك.

المحور الثاني: الشروط الضرورية لولوج مجال التنمية

قدم المهدي المنجرة منظوره للتكنولوجيا المتطورة بل اقتناعه بأنها مفتاح للتنمية خاصة بالنسبة لدول الجنوب، من خلال بسط توضيحاته لنقطتين:

أولهما: أن اللجوء إلى التكنولوجيا الأكثر تقدما ليس من قبيل البذخ بالنسبة للبلدان الأكثر فقرا في العالم، لأن هذه البلدان هي التي عليها أن تتقدم بخطى عملاقة. وهو الأمر الذي يكون مستحيلا تحقيقه عن طريق الاكتفاء بما يسمى التكنولوجيا “الموأمة” أو “المكيفة”. ففي الحالة الأخيرة، قد يصل الأمر بهذه البلدان إلى تسجيل المزيد من التأخر.

وثانيهما: أن إدخال التكنولوجيا المتقدمة، لا يعني بالضرورة تقليد نموذج التنمية المعمول به لدى البلدان المصنعة. فإذا استقر العزم على تبني اختيار سياسي لتنمية محلية المنشأ، مع نظام للقيم الاجتماعية والثقافية خاص بذلك الاختيار، فليس ثمة ما يمنع من استغلال هذه التكنولوجيا، لبلوغ الأهداف الاجتماعية المنشودة، فالأحكام المسبقة لا تأتي من التكنولوجيا في حد ذاتها، بل من المحيط.

وأوضح المنجرة علاوة على ذلك أنه بصرف النظر عن التنوع الكبير الذي يطبع العالم والاختلافات الكبيرة على مستوى التنمية الاقتصادية، فنحن بصفة عامة بصدد التحول دون مقاومة من مجتمع إنتاج مبني على المواد الأولية ورأس المال، إلى مجتمع معرفة تتمثل عناصر وصفته في الموارد البشرية والمعلومات. وفي مجال المعلومات تكمن الهوة بين الشمال والجنوب، فالعالم الثالث مثل بالكاد في نهاية القرن الماضي 3 بالمائة من الإنتاج العالمي، والأنشطة المتعلقة بالمعلومات التي هي في الوقت نفسه السبب الرئيسي في اتساع هذه الهوة.

وحدد بصورة واضحة الميادين الرئيسية التي يجب أن تطبق فيها استراتيجيات وسياسات الإعلاميات والإعلاميات الموصلة هي: المالية؛ والتسيير الإداري؛ والتكوين؛ والبحث العلمي.

وقد أضاف أن الأمر لا يحتاج إلى القيام بدراسات معمقة للسوق، لتقييم الامتيازات التي يخولها استثمار الاعلاميات (واليوم بتمديد طرح المنجرة، استثمار تكنولوجيا الاتصالات الرقمية) في ميادين مثل: تدبير مياه الشرب ومكافحة الأوبئة، فكل بلد كيفما كانت درجة فقره عليه أن يبذل حدا أدنى من المجهودات لاستخدام التكنولوجيا المتطورة، بغية تحسين الظروف الصحية لمواطنيه، ولا سيما في عصر أصبحت فيه الموارد البشرية مفتاحا للتنمية.

ويرى المنجرة أن استراتيجية كهذه، يتعين أن تأخذ بعين الاعتبار الخاصيات المحددة لجميع التكنولوجيات العصرية من الحاجة إلى عدد كاف من المستعملين ومردودية متصاعدة وإلى الاستثمار في البحث والتطوير. ويجب أن تتوفر كل هذه الشروط إذا كنا نريد أن نحصل على نتائج راسخة.

وحيث إن العديد من البلدان النامية، لا يمكنها الوصول إلى هذا الهدف بوسائلها الخاصة، فيتعين حسب المنجرة إيلاء اهتمام خاص بالاستراتيجيات الجهوية والإقليمية، دونما إغفال الحاجات الخاصة بكل بلد.

وإذا كان هذا العالم قد أكد على أن الاندماج الاقتصادي الجهوي والتعاون “جنوب-جنوب” باتا لا غنى عنهما، وذلك لأسباب تتعدى الطروحات الجيوسياسية والاجتماعية والثقافية التقليدية. فإنه عبر بالواضح عن أنه إذا أصبحت الإعلاميات والإعلاميات الموصلة والصناعات المتصلة بها، بالنظر لأهميتها الاقتصادية والثقافية، ظاهرة سياسية، إن على الصعيد الوطني أو الدولي، فهذا واقع ينبغي للأشخاص الذين لهم كلمة الفصل في تحديد الاختيارات السياسية التي تؤطر الخيارات التكنولوجية، أن يأخذوه بعين الاعتبار.

وقد قال في هذا الصدد: “إني أؤكد على هذه النقطة لإبراز الدور الذي يضطلع به أصحاب القرار، وضرورة إشراكهم، على أعلى مستوى، في بلورة هذه الاستراتيجيات، قبل أن يتأتى للخبراء القيام بعملهم على الوجه الصحيح”، موضحا أنه إذا وضعنا ثقتنا في الإعلاميات والإعلاميات الموصلة (اليوم، في التكنولوجيا الرقمية بتمديد فكرته)، وغيرها من أشكال الذكاء الاصطناعي، سيمكننا ذلك من تقليص الهوة بين تطور المعارف واستخداماتها الاجتماعية.

وأكد المنجرة أنه لا يوجد بلد يستطيع أن يبقى بمنأى عن الثورة الإعلامية أو أن يقاوم تأثيراتها السريعة الانتشار. ويبقى السؤال الوحيد المتاح هو: هل يختار الموقف الاستسلامي ويقبل بغزو التكنولوجيا ومنتجاتها، أو يختار الموقف الفاعل ويبلور استراتيجيات وسياسات من شأنها أن تأخذ بعين الاعتبار نماذج التنمية المتوخاة وضمان ملاءمة اجتماعية إلى جانب الانسجام الثقافي.

خلاصة القول، يرى عالم المستقبليات المهدي المنجرة أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه دول الجنوب (الدول النامية) يتمثل في إيجاد أجوبة محلية المنشأ لهذه الظاهرة التي اكتسبت وما زالت تكتسب المزيد من صفة الكونية.

وأن التخلف ذا علاقة تناسبية مع التبعية للخارج في الحصول على المعلومات أو معالجتها. وتبدأ التنمية عندما يتوفر المرء على معلومات أوسع.

وما التنمية إلا معلومات صارت معرفة.

وما المعرفة التي هي المادة الأولية الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية في كل النشاطات البشرية، إلا معلومات تم الحصول عليها من خلال أبحاث قيمة، تم توكيل تدبيرها لأناس مكونين بشكل جيد، لمتابعة أهداف ومقاصد محددة تحديدا جيدا.

ومهما بلغت تطورات التكنولوجيا، فهي ليست دواء سحريا ولا سيما إذا كانت مجرد جسم غريب في بيئة لا تستجيب ولو للحد الأدنى من الظروف المواتية. لكن على الرغم من ذلك، فهي تمثل في الوقت الراهن أكثر الأدوات التي اخترعها الإنسان فعالية في إعانته على تحليل المشاكل وإيجاد الحلول لها.

وبما أن العديد من بلدان الجنوب لا يمكنها الوصول إلى تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية بوسائلها الخاصة، فالتعاون “جنوب-جنوب” هو الآلية الحقيقية لتحقيقها سواء على المستوى الوطني لكل بلد أو على مستوى “الجنوب” برمته.

ونختم بقولة هذا العالم (رحمه الله): “إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، أصبحت حاجة أساسية من أجل البقاء، بالقدر نفسه الذي هي فيه كأكبر قوة كامنة للدمار، وانقراض العنصر البشري”.

أحمد بلمختار منيرة- هسبرس

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

تنهيدة.. ليبيا إلى أين المصير أو إلى أين المفر؟

الحرب الجارية الآن في غزة ليست كقبلها من الحروب العديدة الفلسطينية والعربية X الإسرائيلية، لا في منطلقها، ولا في جغرافيتهH، ولا في أطرافها (شعب X دولة)، ولا في اصطفافات دول المنطقة والعالم، ولا في تداعياتها القريبة، ولا في نتائجها الأبعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
27 − 19 =