موريتانيا.. التعيين في الوظائف بين الولاء والكفاءة

(إن أهم عناصر قّوة الأمّة جودة تعليمها، ونزاهة قضائها ،وحسن اختيار قادتها ،ومحاربة الفساد على كلّ مستوياتها.)

-زاد الحديث بين النخبة في الآونة الاخيرة بشأن الكفاءة والولاء لتعيين في المناصب الحكومية، وكثر اللّغظ والجدال في أهمّية الولاء على الخبرةوالكفاءة، وردّ البعض عن أهمّية الكفاءة علي حساب الولاء

يظهر الجدال والمبارزة الكلامية يين المهتمين بالسياسة عندما يريد القائمون على الشأن العام تشكبل حكومة جديدة أو تعين شخصا في منصب حساس والسبب ليس لعدم وجود الكفاءات, ولكن لأننا نبحث عن الكفاءة التي نضمن ولاءها 100% – – ويرى البعض في الأمر صعوبة رغم أنه يبدو سهلا إذا ما كنا نبحث عمن يكون كفؤا وولاءه للوطن وليس لشخص أو حزب أو فئة أو قبيلة أو جماعة أو نظرية أو فكر ما…أو شخصيات مؤثرة في المشهد السياسي والاقتصادي….

لأنه في هذه الحالات بالتأكيد سيكون العثور على شخص كفء وموال قوي أمرا صعبا.. ويفترض أن يكون صعبا في أي مجتمع طبيعي وهو مؤشر ايجابي فلماذا لا يتم البحث عن الكفاءة والولاء نتركه للوطن وليس لأنفسنا؟ وبذلك نضمن أن تسير الأمور بشكل سليم.

لا أدعي أن اختيار الكفاءة والوصول إليها وفرزها من بين الآخرين أمر سهل, ولكنه في نفس الوقت ليس بالمستحيل كما أنه أفضل من اختيار الأشخاص على أساس الولاء فقط. في المرحلة المقبلة سنحتاج إلى الاعتماد على الكفاءات بعد أن جربنا التعيين علي أساس ا”الولاءات” وهذا ما يدفعنا أن نجيب على سؤال مهم وهو هل نظامنا الوظيفي الحالي يتناسب مع المستقبل؟ وهل ما زال هذا النظام بعيداعن دولة المؤسسات… وهل تحول الفكر العام من دولة الولاء إلى دولة الكفاءة ام اننانحتاج إلى تحديث سياسي ورؤية وتطوير للثقافة السياسية؟

بلا شك إن التحول من دولة الولاء إلى دولة الكفاءة هو تحول من الشكل التقليدي للدولة إلى دولة المؤسسات والقوانين وبالتالي تحول الناس من مجرد رعايا تابعين وغير مبالين إلى مواطنين “صالحين” مشاركين وبإمكانهم التأثير والتغير من منطلق تساوي الفرص… وبالتالي حدوث تطور في المفهوم السياسي للمجتمع من شأنه خلق ولاءات جديدة على أسس مختلفة قد تكون أكثر عملية عن الأسس السابقة التقليدية( التعيين علي أساس معيار الولاء القبلي والفئوي -والمناطقي والزبونية السياسية…..)

وأكثر قدرة على النمو والتطور وكذلك ترسيخ الثقة في النفس بين المواطنين وتنامي الشعور بالارتباط اللامتناهي بالوطن والقدرة على استشراف المستقبل.

دولة الكفاءة لا تنفصل عن الولاء فلا كفاءة بلا ولاء والعكس غير صحيح. فالولاء بمفرده لا يمكن أن يوصلنا إلى دولة الكفاءة… عندما نتكلم عن دولة الكفاءة فإننا نقصد دولة المؤسسات ودولة النظام ودولة القانون التي تحترم أسس الدولة الوطنية

… الكفاءة تعني التقيد بالدستور والالتزام بالقوانين السارية واحترام الثوابت المتفق عليها قانونا وعرفا، والفصل بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة… كما أن الكفاءة تعني أن اختيار الرجال علي مبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب” يتم على أساس الشفافية الكاملة وعلى مقاييس النزاهة ونظافة اليد والكفاءة والقدرة على العمل والإنجاز لا على مقاييس الانتماء والولاء فقط.

والسؤال المشروع الذي لابد وأن يطرح هو هل الأهم أن يكون لدى المواطنين ولاء لمؤسساتهم؟ أم أن الأفضل أن تكون لديهم الكفاءة التي يعملون بها ويخدمون بها مؤسساتهم؟ الإجابة رغم أنها تبدو معقدة إلا أنها بسيطة. فبالتأكيد إن الأساس هو الكفاءة اولا والولاء يأتي بعد ذلك. فقد يكون هناك مواطن بلا ولاء ولكنه كفء وبالتالي ينتج ويخدم مؤسسته ووطنه في حين أن الموظف الذي لديه الولاء فقط لا يمكن أن يكون بالضرورة كفؤا وبالتالي فان ولاءه فقط لا يمكن أن يخدم المؤسسة أو البلد. والحقيقة الأهم هي أن الولاء هو الوليد الشرعي للكفاءة والعكس غير صحيح,

فمن يفتقد إلى الكفاءة من الصعب أن يكون له ولاء للمكان الذي هو فيه وإن كان ظاهريا يبدي أنه موال قوي ولكن يبقى هذا مجرد كلام… “ففاقد الشيء لا يعطيه “وإذا كان الشخص غير كفء أي أنه فاقد للكفاءة والقدرة على العمل والتميز فهل يمكن أن يعطي الولاء الذي هو أصعب من الكفاءة بكثير؟! بلا شك إن الولاء مطلوب دائما وهو يمكن أن يكون موجودا وبقوة ولكن المشكلة الحقيقية ليست في الكفاءة بل المشكلة في الحصول على من يمتلك الكفاءة والولاء في نفس الوقت.

لا أريد أن اجرد أي إنسان وأي مجتمع من قيمة الولاء الذي نعرف جميعا أنه صفة نفسية مغروسة في قلب وروح كل إنسان ولا يمكن لأي أحد أن ينفصل عنه فهو أمر فطري لا يمكن تجاهله ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)

ولكن يمكن تنظيمه وتطويعه بالشكل السليم بدلا من الصورة العشوائية الفوضوية الذي هو عليها اليوم, وهذا ما نتحدث عنه إذا ما تم التركيز في مسألة الولاء على نقاط الإخلاص والجدية في العمل وإنكار الذاتوالصدق والقوة والأمانة بالإضافة إلى الوطنية وكذلك عدم الخضوع لحسابات القرابةوالمحسوبية والزبونية

وما يجب أن لا نغفل عنه أن الشخص الكفء يشعر بالانتماء والولاء للمكان دائما لسبب بسيط هو أنه يعمل ونتائج عمله يراها على أرض الواقع وبالتالي يشعر بأنه جزء من ذلك الواقع ومن ذلك المكان ومن الطبيعي أن يولد لديه ولاء للمكان الذي يعمل فيه .

أما الذي يدعي الولاء بلا كفاءة فلا شيء يربطه بأي مكان غير الكلام والشعارات, فهو اليوم هنا وغدا هناك… -مذبذبين لا إلي هؤلاء ولا إلي هؤلاء-

ويبقى الولاء شيئا معنويا لا يمكن اختباره على أرض الواقع بينما الكفاءة مسألة مادية من السهل التأكد منها بناء معطيات العمل الذي ينفذ والنتائج التي نراها.

الخبرة والكفاءة من أهم موجبات تولّي المناصب، ولنا شواهد كثيرة على أهمّية الخبرة، فالدّولة التي تهدر الخبرات والكفاءات دولة ضعيفة وهشة

يجب أن نتذكر دائما أن حسن اختيار الكفاءات هو من علامات البناء الصحيح لدولة المؤسسات والقوة الاقصادية

تولانا الله بلطفه

احمد عبد الرحيم الدوه

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

تنهيدة.. ليبيا إلى أين المصير أو إلى أين المفر؟

الحرب الجارية الآن في غزة ليست كقبلها من الحروب العديدة الفلسطينية والعربية X الإسرائيلية، لا في منطلقها، ولا في جغرافيتهH، ولا في أطرافها (شعب X دولة)، ولا في اصطفافات دول المنطقة والعالم، ولا في تداعياتها القريبة، ولا في نتائجها الأبعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
20 ⁄ 20 =