محنة الإسلاميين وحزام الرعب

بعيدا عن أخطاء فاحشة ارتكبها الإسلاميون، خلال العقدين الماضيين تحديدا، بعد أن خاضوا معركة الاشتباك في الحياة السياسية، بدأ كثيرون ممن ينشغلون بالمشروع الإسلامي في الحكم يعتقدون أنه مشروع ولّى بلا رجعة، ويحسب آخرون أن الفاشية التي جرى فيها قمعه في مصر، (وتبعتها أقطار عربية أخرى، سال لعابها بعد “النجاح المصري” لملاحقة كل ما يمتّ لهذا المشروع بصلة) كفيلةٌ بدفنه إلى الأبد.

هؤلاء لا يقرأون التاريخ، ولا يستخلصون العبر من تجارب مشابهة، وقعت في تونس وتركيا، وفي مصر ذاتها، حين قرّرت السلطات في هذه البلدان “استئصال” الإسلاميين من جذورهم، أو هكذا توهمت، فنظّمت عملية إبادة لكل ما هو إسلامي، حتى وصل الأمر إلى منع الأذان باللغة العربية ومنع النساء من وضع غطاء الرأس، كما فعل انقلابيو تركيا وعلمانيوها. وفي تونس، حاول الديكتاتور بن علي استئصال كل ما يمتّ للمشروع الإسلامي بصلة، بل حُرم المسلمون من فقه الأحوال الشخصية، وعبثت السلطة بما استقرّ عليه الشرع، وفتحت أبواب الفجور والدعارة والسياحة الإباحية على مصراعيها، وهيئ لبن علي أن الدولة غدت في جيبه الصغير، فكان هو نفسه “الضحية” الأولى لديكتاتوريته الخشنة، بل كان سقوطه مفتتحا لسقوط آخرين على شاكلته.

وكذا هو الأمر مع عبد الناصر، مارس الدور ذاته في قمع الإسلاميين وإبادتهم، فكان “مُلهما” لكثيرين في تغييب أصحاب المشروع الإسلامي، ليتبين لهم أن هذا المشروع لا يموت، ولن يموت، ليس لأن الإسلاميين عباقرة وعمالقة ويستعصون على الإبادة، بل لأن الإسلام هو المكوّن الرئيس للعقل الجمعي والوجداني لأهل هذه المنطقة. وما تجربة انقلابيي تركيا بعيدة، ففيها ما فيها من عبر لكل من يتبنّى خيار الاستئصال والتغييب لأصحاب هذا المشروع. ولسنا نشكّ لحظة أن مشروع الانقلاب في مصر سيجد المصير الذي لقيه بن علي وأتاتورك وعبد الناصر، لأنهم تحرّكوا عكس حركة التاريخ، وغفلوا عن بدهية بسيطة، إن الإسلام هو ملح هذه الأرض، حضارة وثقافة، حاضرا ومستقبلا، وإن بدا أن مشروع الإسلاميين قد بلغ القاع في انتكاسته.

هجمة منظّمة، متعدّدة الأسباب والدوافع والجهات على الربيع وأهله، باعتباره رجسا من عمل الشيطان

ليس هذا انحيازا لفصيلٍ إسلامي معين، أو تغليبا لرؤيةٍ مقابل أخرى، فلا يبغي الكاتب هنا الدفاع عن جماعة الإخوان المسلمين تحديدا، وإنْ يكونون يستحقون ذلك، أو أنه يدافع عن أخطاء وقعوا فيها، هم وغيرهم من الجماعات الإسلامية، سلفية علمية أو جهادية، أو حزب تحرير، أو من جماعات الدعوة ونشرها، بل إنه ينظر إلى المسألة من منظار أشمل من ذلك وأعمّ، وفي وعينا ما نعرفه عن الإسلام دينا وثقافةً وفقها وحضارة، على أي جنبٍ رأته هذه الجماعة أو ذلك الحزب، فالجماعات والأحزاب تذهب، لكن المشروع باقٍ بقاء هذه الأرض، بكل جوانبه الفقهية والسياسية، ليس طقسا فقط، وكل من يحاول استئصاله هو كالثور الذي ينطح صخرة، سيُكسر رأسه، وتبقى ما بقيت الحياة على هذه الأرض. وإن كان هنا من أسفٍ فعلى الضحايا الذين تزهق أرواحهم هنا وهناك بغير حق، وفي سبيل هدف عبثي لن يتحقّق، موجود فقط في رأس الديكتاتور الذي سيلعنه التاريخ واللاعنون، فضلا عن الضحايا من المضللين الذين يهيأ لهم أن خلاصهم يأتي بالتخلص مما ميّزهم عن كثيرين ممن خلق، وأكرمهم بأسمى الأديان وأعدلها، ولا خلاص لهم إلا به.

بعد مرور نحو عقد على إفشال مشروع الثورات الربيعية، هناك من يبدأون بـ “زمّ” شفاههم قرفا حينما يسمعون مصطلح الربيع العربي، وبعضهم يبدأ بفلسفة الأمر باعتبار أن الاصطلاح ليس دقيقا، وأنه “ضده من حيث المبدأ”، وآخرون يرون فيه الترجمة الحرفية للفوضى والخراب والدمار، حتى أن بعضا من كتّاب الغرب ومفكريه بدأوا بكتابة “موشّحات” الهجاء للحركات التي عصفت بأنظمة ديكتاتورية، ووصفوا التغيير الذي نجم عنها بصفاتٍ أقلّها أنها أنتجت تجارب فاشلة، وقارنوا بين دول الربيع ودول أخرى استوعبت حركات الشعوب، وبدأت بالاستجابة “الخجولة” لمطالباتها، مستحسنين هذه الطريقة، ومفضلين إياها على ثورات التغيير الشامل.

ما زالت أسباب الثورات قائمة، وجمرها مدفون تحت الرماد

بدون كثير شرح، كانت هناك هجمة منظّمة، متعدّدة الأسباب والدوافع والجهات على الربيع وأهله، باعتباره رجسا من عمل الشيطان. وغريبٌ أن يتفق هؤلاء في ذمّهم الربيع مع عدو لدود للإنسانية، وليس للثورات وأهلها، وهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق، نتنياهو، الذي قال، ذات يوم، إن “حزام الرعب الإسلامي” في البحر الأبيض المتوسط (ليبيا، تونس، مصر، وغدا سورية) أخطر من النووي الإيراني على إسرائيل وحلفائها، وتحت كلمة “حلفائها” نضع مليون خط، فثمّة من هؤلاء الحلفاء العلنيين والسرّيين من يشارك هذا “الغضيب” رأيه، ومنهم إيران نفسها التي انتقت من “الربيع” شوكه، ووصفت ورده بالفوضى والعبث، ورمت ثوار الربيع بأقذع التهم. ويتفق مع الطرفين في وصفهما طائفة من المتضرّرين من الربيع الذين بدأت فرائصهم ترتعد خوفا وهلعا من وصول جمر الربيع وزهره إلى فراشهم، فلم يدّخروا جهدا في النيْل منه وتدميره وتشويهه، فقط لأنه فتح المجال للمشروع الإسلامي لـ”تجريب” نفسه، وكان هذا سببا كافيا لملاحقة الربيع، وحرقه بضراوة، من كل الخصوم الشرقيين والغربيين، المحليين والغرباء.

بعد مرور عقد أو أكثر على انطلاق شرارة الربيع، وانطفاء الشمعة الأخيرة له في تونس على يد حفيدٍ لبن علي، انتهج أسلوبا مشابها لأسلوبه، بدعم ومساندة واضحة من أعداء الربيع، لم يزل “حزام الرعب” يرعب الثورة المضادّة، ويحسبون أن المعركة انتهت لصالحهم، ونعى كثيرون ما يسمّونه الإسلام السياسي. هؤلاء لا يقرأون التاريخ جيدا، فما زالت أسباب الثورات قائمة، وجمرها مدفون تحت الرماد، ولا يحتاج الأمر إلا لعاصفةٍ متوسطة القوة ليعود الجمر إلى الاشتعال، بالإسلاميين أو بدونهم، فقد بلغت المظالم شأواً لا يصلح معها لا استقرار ولا هدوء لمشروعات السلطات المستبدّة.

حلمي الأسمر – كاتب وصحافي من الأردن / العربي الجديد

World Opinions | Débats De Société, Questions, Opinions et Tribunes.. La Voix Des Sans-Voix | Alternative Média

تصفح ايضا

توتر العلاقات الأميركية السعودية: أميركا تقع في شر أعمالها

كشف قرار «أوبك +» الأخير مطلع الشهر الماضي بشأن تخفيض ضخ 2٪ من النفط إلى السوق العالمي، على غير الرغبة الأميركية، والطلب الأميركي الصريح ذلك من المملكة العربية السعودية، عن حجم التوتر الذي سيطر على علاقة البلدين الحليفين. وعلاقة البلدين الإستراتيجية ممتدة منذ عقود طويلة، وتقوم على أساس تبادل المصالح في الأساس وفق معادلة النفط مقابل الأمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
14 ⁄ 7 =